لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأثنين: 25 ديسمبر، 2017

 

 بقلم:حسن العاشور

ابدأ مقالتي بطلب مفاده: انني ادعو المرجعيات الاسلامية عموما والعلماء كافة، وادعو المفكرين والمثقفين الى مطالبة اولئك الحمقى الذين يزكمون انوفنا برائحة الردة ان يخلعوا الزي الديني الذي يرتدونه، علما ان الزي الذي يرتديه رجال الدين ليس فيه نص ولا اثر، سوى ما ورد عن لباس رسول الله ص واصحابه الذين يقتدون به، فهو كان جميلا يرتدي الجميل من دون تكبر او خيلاء، فهو ص لم يكن يتميز عن امته بماكل او بمشرب او ملبس، بل انه كان ازهدهم، كيف لا وهو من اقسم الله بعمره الشريف حيث قال جل علا في الاية 72 من سورة الحجر {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} الله سبحانه وتعالى يقسم بحياة محمد ص، فعلى اي مستوى من القداسة والطهر كانت حياة المصطفى ص، هذا ما لا يحيط به علما الا الله سبحانه، كان ص يلبس البسيط من الثياب ويعتم بعمامة بيضاء يدلي لها ذؤابة عندما يصلي، وان لباسه ص كان ياتي بحكم العادة وليس سنة، ولكن من اراد ان يقتدي به في هذا فهو محق، لانه يقتدي بسيد الخلق واحبهم الى الخالق تبارك وتعالى، فقد قال سبحانه فيه في الاية الرابعة من سورة القلم { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } وهو قول كريم لم يقله الحق جل اسمه في احد من خلقه.

ان الاسلام لم يفرض من اللباس الا ما يستر ويتسق مع النظام العام، بل انه يفرض لباسا يتسق مع ذوق الواقع ويحرم كل لباس ناشز عن ذلك الذوق، وهو ما يطلق عليه لباس الشهرة، الا ان العرف العام فرض زيا يرتديه رجال الدين، فاذا ما راينا من يرتدي الجلباب والعمامة والعباءة تبادر الى اذهاننا انه رجل دين، وهذا زي علماء الدين، من فقهاء وخطباء ومبلغين وائمة مساجد، والمعروف عن هؤلاء انهم مدافعون عن الاسلام بفقههم وافكارهم، وهذا لا يعني انهم وحدهم من يدافع عن الاسلام، فالمسلمون كلهم هذا واجبهم، بل ان حفظ الدين هو المقصد الاول الذي تاتي بعده كل المقاصد الاخرى من حفظ النفس والمال والعرض والعقل، ولكنني عندما اقول ان المتزيين بزي رجال الدين معروفين بالدفاع عن الدين انما اقصد اننا قد نرى من يتهجم على الدين من غيرهم، ولكن لا يمكن ان ترى رجلا يرتدي الزي الديني ويتهجم على الدين، بل هو مدافع عن الدين بالمطلق، حتى اذا كانت عنده اعتراضات على مسلك ديني ما فاعتراضه يتوجه الى المسلمين وليس الى الاسلام .

ولكن الغريب هذه الايام هو ان المتهجمين على الاسلام يرتدون الزي الديني، والمشكلة انهم لا يستهدفون في تهجمهم هذا المفكر المسلم او ذاك او هذا النسق الفكري الاسلامي او ذاك، وانما يستهدفون الاسلام في التصميم، فيشككون في القران والتشكيك في القران يعني اما التشكيك بمن انزل القران، الله جل وعلا او التشكيك في صدق من انزل عليه القران، رسول الله ص، والحقيقة انهم فارغون تماما، انما يرددون اقوال لغيرهم، من رجال التبشير والاستشراق، وما اود ان اعرج عليه بعبارة اعتراضية انه حتى التنوير الاوربي الذي احدث قطيعة مع الكنيسة، لم تجد في ادبيات رجاله، من قساوسة ورهبان اي تهجم على المسيحية انما كان الهجوم مستهدفا لتصرفات رجال الكنيسة يومها الذين كانو يبيعون اصكوك الغفران، ويملأون الناس رعبا من الله، حتى ان احد الرهبان كان يقول للناس انه لا ينجو يوم القيامة الا واحد من بين كل مائة الف، وهو بقوله هذا يبتزهم لشتروا صكوك الغفران، فان مارتن لوثر كان رجل دين مسيحي مؤمن بالمسيحية الا انه كفر بالكنيسة ورجالها، وحتى فلاسفة التنوير ابقوا النظرة الى المسيحية على قدر من الاحترام.

الا ان المتنورين، وبتعبير ادق المتهورين، من المتزيين بالزي الديني الاسلامي الذين نراهم على مواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة كالنار في الهشيم، يتوالون على الطعن بالاسلام وتسخيف عقيدة المسلمين، انهم لم تستهدفوا المعبد وانما يستهدفون المعبود، وهم كما اسلفت فارغون يرددون ما كان قد قاله قديما يقوله الان رجال الارساليات من المبشرون، ومن هؤلاء على سبيل المثال يوحنا الدمشقي (ت : ٧٥٠ م) أحد أكبر آباء الكنيسة الأرثوذكسية وكان من كبار موظفي بلاط الخلافة الأموية، وكان هذا المبشر المخادع قد عكف على التشكيك بالقران الكريم والتشكيك في كون الإسلام امتدادًا لحنيفية إبراهيم ووصف المسلمين بالسرازانيين، اي الذين أبعدﺗﻬم سارة باحتقار، ووصف الرسول الكريم بانه أحد أتباع آريوس كما يجعله على عقيدة المذهب النسطوري، فالمعلوم ان المسيحين انقسموا الى مذهبين مذهب يقول ان المسيح عبد الله ورسوله، اخر يقول انه ابن الله، وفي مجمع نيقية اقر المذهب القائل ان المسيح ابن الله، وبقي الكنيسة الشرقية التي اتبعت مذهب اريوس خارج الاجماع الكاثوليكي، ومن هؤلاء المبشرين الطاعنين بالاسلام عبد المسيح الكندي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي تقريبا، كان عاملا في بلاط الخليفة العباسي المأمون، وهذا كان اشد خبثا من يوحنا الدمشقي فقد كتب رسالة تقطر بالخبث، النص موجود بين يدي ولكن نفسي تعاف نشره لما فيه من حقد وقذارة وزيف وكذب، وقد لقيت هذه الرسالة السيئة عناية كبيرة من دوائر التنصير حيث نشرت أكثر من مرة لخدمة الإرساليات ليتعلموا منها أساليب مجادلة المسلمين حول القرآن والنبي ص، بل انهم كان ينظرون اليها على انها انجيل ثان، والملاحظ ان يوحنا الدمشقي وعبد المسيح الكندي كانا من كبار موظفي البلاط عند الامويين والعباسيين، فاي عقيدة سريالية تلك التي كان يعتقدها الامويون والعباسيون، فالامويين يقتلون الجعد بن درهم المؤمن بالله لانه يقول بحرية العبد في القيام بفعل الطاعة والمعصية، فهو ومن وجهة نظرهم مرتد، ويقربون يوحنا الدمشقي، وهو كبير مستشاريهم الذي يقول ان الاسلام هرطقة مسيحية، والهرطقة المسيحية تعني رؤية مسيحية لا تتفق مع ما تقوله الكنيسة ورئيسها البابا، واما العباسيون فيقتلون بشار بن برد بسبب قوله شعرا ماجنا او فيه زندقة، كما يدعون، وهو امر لا يستوجب اكثر من التعزير، ويقربون عبد المسيح الكندي كرجل بلاط، وهو يقول في رسول الله ص اقوالا لا يمكن للمسلم ان يقرأها او يسمعها من دون ان ويشعر بالغثيان، ومن هؤلاء الملعونين الذي طعنوا في الاسلام ايضا ابن كمونة اليهودي (ت ١٢٨٤م)، والقائمة تطول اذا اضفنا اليها اصحاب الرسوم الكاريكاتيرية والداعين الى التشكيك بالاسراء الى المسجد الاقصى، والداعين الى تهويد القدس من الصهاينة المسيحين والمسلمين، وقد يعترض احد على الصهاينة المسلمين، اقول له ما الفرق بين احتفالات الصهاينة المسيحين في امريكا فرحا بقرار ترامب وبين الوفد البحريني الذي زار القدس بعد القرار مباشرة ليوصل رسالة محبة الى اليهود، والغريب ان الذي باشر ايصال الرسالة صهيوني معمم، الا ان اقوال هؤلاء التبشيرين التنصيرين لم تمر من دون ردود رصينة قام بها علماء وكتاب ومفكرون، جزاهم الله خيرا على الجهود الخيرة التي بذلوها، اثبتت زيف ادعاءاتهم، وانعدام حجتهم، بل ان بعض المنصفين من الغربيين فندوا اقوالهم، مثل شاتليه في كتابه الغارة على العالم الاسلامي، بل ان ابن العبري اليهودي كان موضوعيا قد ذكر في تاريخه كثيرا من رؤساء المسيحية من اساقفة وقساوسة اعتنقوا الاسلام، بمحض ارادتهم ومن دون اي اكرا، في الفترة نفسها التي كان فيها عبد المسيح الكندي يسطر رسالته السيئة دليلا على كذب ما ادعاه.

كاتب المقال

اقرأ ايضا

متى ما اضع العمامة تعرفوني

الأحد: 29 أبريل، 2018

لوكان ابهامي معمم لقطعته …

الثلاثاء: 19 ديسمبر، 2017

العمامة وسيلة للقتل والاضطهاد!

الأثنين: 12 يونيو، 2017