لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأربعاء: 14 ديسمبر، 2016

كاتبة المقال/ افراح شوقي

وانا اروم عبور جسر البياع من جهة اليرموك، طالعتني بعيونها الملونة الجميلة ويديها البيضاء بعد ان زادها البرد بياضا، راحت تنقر برفق على نافذة السيارة، وهي تطلب المساعدة، اعطيتها مما توفر من مال يسير وسرت بأتجاه طريقي فكان ان اوقفتني امرأة مسنة على مبعدة خطوات من الاولى ، وقالت لي وهي تلملم عبائتها التي غطى الوحل اجزاء كبيرة منها،:”لصاحبة اليدين الناعمة تعطوها اكثر منا” .. اجبرني الطريق على تجاوزها قبل ان اتمكن من الحديث معها، لكن كلماتها بقيت تدور معي، وفهمت بعدها انها انزعجت لان من حصل على المال قبلها كانت صبية سورية، راحت تنافسها في كسب قوتها اليومي في ذات الشارع الذي اعتادت ان تحصل على رزقها منه منذ اسابيع..

التجوال في شوارع بغداد هذه الايام لايخلو من صور صادمة ومؤلمة في ذات الوقت، اعداد كبيرة من المتسولين بكل الاعمار، يحاصروك في كل مكان ، النساء منهن والصغار والمعاقين من كبار السن وسواهم، وزادهم غرابة هو تلك الاعداد الكبيرة من المتسولين من جنسيات غير عراقية سوريين وباكستانيين وحتى هنود! هل اصبح العراق البلد الامثل للتسول؟ هل قدر لبلدنا الذي استوعب قبلا العمالة العربية والاجنبية ايضا لاجل انجاز مشاريع بناء وتطوير في حركة عمرانية مميزة ان يتحول اليوم لاستقطاب فقراء العالم !

في كل دول العالم، ومن بينها العراق، هناك قوانين تحد وتمنع من التسول، وهناك جهات تتولى امر تلك المخالفات لانها تسيء لوجه المدينة الحضاري، لكن يبدو ان المعنيين في وزارة الداخلية، قد تخلوا عن هذه المهمة لاسباب غير مفهومة، بعضهم يعزوها الى ان المتسولين اصبحوا مافيات تقودهم جهات متنفذه يغدو معها التصدي لهم محض مجازفة غير محمودة العواقب، لذا ان الابتعاد عنهم هو الاسلم تحت شعار( لاعين تشوف ولا قلب اليحزن) ولتبقى فقط قلوبنا تحزن ونحن نستذكر ايام بغداد وامجادها وزهو شوارعها وبساطة ناسها وهم ينامون على سطوح دورهم فيما ينسون اغلاق متاريس ابوابهم احياناً ..

المشكلة الجهاز المركزي للاحصاء عندنا اعترف بأنه لايملك قاعدة بيانات عن اعداد المتسولين، كما ان الاجراءات القضائية الميسرة واطلاق سراح الكثير من المتسولين بـ”كفالة شخصية”، اسهمت في نمو وتفاقم تلك الظاهرة، اما وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فقد اكتفت بالقول ان اسباب تزايد اعداد المتسولين في انحاء العاصمة بغداد يعود الى تدني مستوى خط الفقر وعدم تصويت العراق على بروتوكول حماية الطفل، اضافة الى عدم اقرار القانون الاهم في البلاد و الذي يضمن مستوى انساني لائق لكل من فقد المعيل والقدرة على العمل الا وهو قانون الضمان الاجتماعي، الذي صرنا نسمع به لسنوات طويلة ضمن قائمة الامنيات والخطط المستقبلية لكنه يبدو ان تحقيقه على ارض الواقع سيبقى محض سراب واحلام بعيدة المنال، وكما يقول المثل الشعبي الدارج ( على هالرنة طحينج ناعم)!.

كاتب المقال