لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الخميس: 30 مارس، 2017

هناك جوقة معروفة راحت تبني الأساطير على زيارة العبادي الى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة من رئيسها دونالد ترامب ، وعلى نتائج هذه الزيارة . من هذه الأساطير أن العبادي سيضع العراق رهينة بيد أميركا ، وانه سيجعل من العراق قاعدة اميركية تنطلق للعدوان على إيران وسورية . ليس هذا وحسب ، بل إن جماعات محسوبة على حزب الدعوة أو قريبة منه ، والعبادي يمثل واحدا من قياداته ، قالت إن أميركا هي التي جاءت بالعبادي ، وأنه سينفذ سياستها في مرحلة ما بعد داعش القاضية “بحل الحشد الشعبي ومحاربة إيران” .

هذه المزاعم ليست معزولة عن الهجوم المنظم على حيدر العبادي من قبل مجموعات احتضنها المالكي نفسه ، سواء كانوا في البرلمان او الحكومة أو الصحافة . ومثلما حمّل المالكي رفيقه العبادي مسؤولية أخذ منصبه منه بالتآمر ، كما لو أنه انتزع منه ملكا عضوضاً مكتوباً باسمه ، راحت تلك المجموعات توسع هجومها على العبادي مستخدمة الأكاذيب والوسائل غير المبدئية ، من دون اي حرص وطني وأخذ ظروف المعركة ضد داعش بالحسبان.

إن المرء ليستغرب كيف يمكن ان يسوّغ بعض المحسوبين على حزب الدعوة ، وعلى رئيس حزب الدعوة نوري المالكي ، مثل هذا الاتهامات بحق مناضل ينتسب إليهم شاؤوا او أبوا ، وما زال يمتلك موقعا قياديا في الحزب ، ويحتفظ بمنصب رئيس الوزراء ، أكبر منصب في الدولة العراقية الدستورية ، في سياق كتلة سياسية يقودها الحزب في البرلمان؟!

تمرر مثل هذه الاتهامات البائسة بحق العبادي بكونها تحليلات سياسية ، يقوم بها أشخاص أحرار أو مستقلون . لكن أية تحليلات هذه تتناول زيارة العبادي بمعزل عن الحرب غير المنتهية ضد داعش ، وبمعزل عن مجموع العلاقات السياسية وموازين القوى الفعلية الدولية ، وعن وجود اميركي سابق في العراق ، ووجود معاهدة أمنية بين العراق وأميركا ، وبمعزل عن حالة بلد مطحون بحروب قديمة ، وحرب أخرى مع اعتى تنظيم إرهابي يتحدث باسم الاسلام ، وفي شروط اقتصادية متدنية ، وفساد مستشري ، وانقسامات سياسية قابلة للانفجار في أي لحظة!

والحال لا يكمن خلف تلك الاتهامات سوى تخمينات سياسية ، أما الباقي والجوهري فيكمن سوء النية ، ومحاولة متعمدة للاساءة الى العبادي ، والاساءة الى ما تحقق على يده من انتصارات انتشلت العراق من الوهدة العميقة التي سقط فيها نتيجة ثماني سنوات من عهد المالكي.

على عكس المالكي الغامض الذي يحتفظ بملفات لا يفتحها ، وقام بنفسه بتهريب الفاسدين والسياسيين القريبين من الجماعات الارهابية ، وفي عهده هرب من السجن نحو الف ارهابي في عملية استحق حكمه عليها الخزي والعار . لا يمارس حيدر العبادي الغموض في السياسة ، ولا يخفي أهدافه ، ويقيس موازين القوى بطريقة واقعية بعيدا عن استعراض العضلات والمباهاة الفارغة . وآخذا بالحسبان أن المعركة الرئيسية للعراق هي ضد الارهاب الداعشي ، وأن من الضروري انتزاع أراضي العراق من مخالبه قبل كل شيء ، رسم العبادي سياسة العراق الخارجية ، سواء مع دول الجوار أو المحيط الاقليمي ، والدولي، في سياق هذا الهدف . ولكي لا يضع البيض في سلة واحدة ، طلب من الجميع معاونة العراق لسحق داعش ، وفي سياق هذا الهدف الذي بات عالميا واقليميا ، قبِل مساعدات الجارة ايران كما قبِل مساعدات اميركا وبريطانيا ودول أوربية عديدة ، واستقبل العراق عددا من قادتها السياسيين ووزراء دفاعها وخبرائها العسكريين .

لا شيء يخفيه العبادي . لكن على عكس الشتامين والمتبرمين الذين صمتوا بعد سقوط الموصل ، أو زعموا مثلما زعم صاحبهم في تبجح رخيص أن سقوط الموصل مؤامرة تستهدفه شخصيا ، ادرك العبادي أن ثقل معركة التحرير يتحملها العراق وحده دما وأموالا ، وأن حمل هذا الثقل بشجاعة في معركة تحرير الأرض المغتصبة دون توقف، هو الذي يجعل الآخرين يحترمون العراق ويتقدمون في مساعدته .

لم يعد العراق الدولة الفاشلة التي كانها في عهد المالكي ، فبالرغم من الصعوبات الاقتصادية فهو يحقق الانتصارات في معركته الرئيسية ضد داعش ، من هنا حظي باحترام الجميع ، وبمساندتهم الاقتصادية والعسكرية ، مثلما سعت سياسة العراق الخارجية على التخلص من العقد في تعاملها الحر مع الجميع ، مع الحفاظ على قراره المستقل .

والحال أن اولئك الفقراء في النظر ، ينتقلون الى مستوى خيانة بلدهم ، عندما يقومون بالتشكيك وزرع الفتن ، وتأليف الروايات الكاذبة عن تآمر العبادي ، في ظرف يشتد القتال ، وتزداد خسائر المدنيين ، وتظهر مشكلة المهجرين والنازحين كمشكلة سوف تأكل من دخلنا القومي . إنهم يتظاهرون بالعمى عن مشكلات قادمة تستدعي تكاتف الجميع . وكما قلنا أنهم ينتقلون الى مستوى الخيانة عندما تمتد تأشيراتهم الى خارج المشكلة الرئيسية .

إنهم لا يدركون أن الانتهاء من داعش يستدعي بدء اكبر عملية اعادة بناء المناطق التي دمرت في القتال ، واعادة مئات الالوف من النازحين الى بيوتهم ، وهذا يستدعي ارادات العالم كله ، والولايات الاميركية بوجه خاص التي تمتلك مع العراق معاهدة أمنية . والحال هذا ما طرحه العبادي في حديثه إلى المعهد الأميركي للسلام في واشنطن بعد اجتماعه مع الرئيس ترمب .

بدلا من مساعدة العبادي في معركة التحرير المعقدة ، ومساعدته في اعادة البناء التالية ، وعملية الاصلاح التي لم تستكمل بعد ، يبني هؤلاء سيناريوهات تتصف بالحماقة . وعمليا هي تستهدف إفشال العبادي في أربع قضايا وطنية مهمة مترابطة : تحرير الموصل ، القضاء على داعش ، إعادة بناء المدن والقرى المنكوبة ، عودة المهجرين الى بيوتهم ومساعدتهم في بدء حياة سلمية منتجة .

إن عرقلة هذه المهام لا تعني غير الخيانة!

كاتب المقال

اقرأ ايضا