لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الخميس: 27 يوليو، 2017

بدأت علميات الإصلاح والصيانة تأخذ مجراها لتأهيل الطريق الدولي الرابط بين العراق والسعودية المعروف باسم طريق بغداد مكة، والبالغ طوله نحو 700 كيلومتر ويمر عبر محافظة الأنبار غربي العراق. تأتي هذه الخطوة بعد مفاوضات طويلة استمرت لأشهر بين حكومتي السعودية والعراق تكللت أخيرًا بتسوية الخلافات العالقة بين البلدين وفتح صفحة جديدة من العلاقات بينهما، ومن المقرر أن يكون أولى الملفات التي سيجري العمل عليها هي “تبادل السجناء” و”تأمين الحدود”.
تصفير المشاكل
بعد فترة طويلة من التشنج والتوتر بين البلدين الجارين العراق والسعودية بدأت الشهور الماضية تحمل أخبارًا جيدة في هذا المسار، إذ بدأت العلاقات تتحلحل بين الجانبين بعد زيارات عديدة قام بها مسؤولين عراقيين إلى الرياض. وقد أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية النائب ظافر العاني، في تصريحات لصحيفة المدى، أن “العلاقات السعودية العراقية تتجه نحو تصفير كل الملفات الخلافية وتبحث عن تقوية التبادل التجاري وتبادل المعلومات الأمنية بين الجانبين”، ولفت إلى أن “أبرز الملفات التي ستتم تسويتها قريبًا هي تأمين الحدود وتبادل السجناء بين البلدين”.
يُذكر أن الخلاف بين البلدين متجذر منذ العام 1990 إبان اجتياح الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلى الكويت، فمنذ ذلك الوقت وإلى العام 2012 فقط عينت الرياض سفيرًا لها في بغداد. تحرك السعودية باتجاه العراق كان لمنافسة إيران التي تسيطر على القرار السيادي فيه، خصوصًا عندما في فترة رجلها السابق رئيس الوزراء “نوري المالكي”.

دخلت السعودية إلى التنافس مع إيران متأخرة بعض الشيء، وبينما تتقدم السعودية في علاقتها مع العراق خطوة، لا تزال طهران تمد أطر التعاون مع بغداد لتوثيق العلاقات معها أكثر، حيث وقعت وزارة الدفاع الإيرانية ونظيرتها العراقية، الأحد الماضي، مذكرة تفاهم للتعاون العسكري بين الطرفين في إطار جهود البلدين لمكافحة الإرهاب.
وذكرت وكالة فارس الإيرانية أن “من جملة المحاور التي تشملها المذكرة والتي وقعها وزيرا الدفاع، الإيراني حسين دهقان، والعراقي عرفان الحيالي، تطوير التعاون العسكري والدفاعي، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والتطرف، وفي حماية أمن الحدود والدعم اللوجيستي والتقني والعسكري”.
التعاون بين العراق وإيران، تأصل عبر الأذرع العسكرية والاقتصادية والسياسية، فمن الناحية العسكرية إيران لها ميليشيات شيعية تأتمر بأوامر ولاية الفقية في إيران، ومن الناحية السياسية ضمنت إيران ولاء قادة سياسيين لها وصلوا إلى السلطة أبرزهم نوري المالكي، أما من الناحية الاقتصادية فقد أمدت إيران بغداد بالقروض والكهرباء وسلع أخرى عديدة.
في حين سبق زيارة الحيالي إلى طهران، زيارة وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي إلى الرياض، وبحسب بيان لمكتب وزير الداخلية فقد شهدت الزيارة وضع أطر تعاون أمني واستخباري بين العراق والسعودية على مختلف ميادين العمل في وزارتي داخلية البلدين، كما أنه جرى الاتفاق على تبادل الخبرات الأمنية والمعلومات الاستخبارية والتعاون، ما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وخلق بيئة آمنة. وشهدت اجتماعات وفدي البلدين الاتفاق على ضبط الحدود وتأمينها من قبل الطرفين وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والمخدرات بالإضافة إلى الاتفاق على التعاون بين البلدين فيما يتعلق بالسجناء.
حيث تحتفط السعودية بقرابة 138 سجين عراقي في سجونها معظمهم متهمين بقضايا تهريب المخدرات أو عبور الحدود بطريقة غير شرعية، بينما يوجد 113 سعودي في المعتقلات العراقية، معظمهم يواجهون تهما في قضايا ارهابية بحسب تقارير دولية.
السعودية بدأت تشعر أن العراق الجديد بات ندا لها من حيث أهميته النفطية، وبالتالي فإن كسب بلد منتج نفطيًا كصديق هو أفضل من تحويله الى عدو
وكان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قد التقى، في شهر يونيو/حزيران الماضي، العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز على رأس وفد وزاري رفيع بحث المشاكل والخلافات وتحسين العلاقات بين السعودية والعراق”. وأعلن في شهر يوليو/تموز تشكيل “المجلس التنسيقي العراقي السعودي”، كأعلى سلطة تنفيذية بين البلدين.
وزار العراق رئيس هيئة أركان الجيش السعودي، الفريق الأول الركن، عبد الرحمن بن صالح، خلال الأيام الماضية عقد فيها مشاروات مع نظيرة العرافي وذكرا في المؤتمر الصحفي إنّه “تم الاتفاق مع الوفد السعودي على إنشاء مركز أمني مشترك لتبادل المعلومات والتعاون في المجال الأمني”. وتأتي هذه الزيارة تأتي استكمالاً لزيارة وزير الداخلية العراقي، قاسم الأعرجي، للرياض.
وهناك أمر آخر ظهر في الفترة الماضية، وهو خشية السعودية من تطور العلاقات أكثر بين العراق وقطر التي أصبحت منافسة الرياض في المنطقة، وبعد الأزمة الخليجية مع قطر التي اندلعت في 5 يونيو/حزيران الماضي فإن الرياض ستسعى بقدر طاقتها لتعزيز وجودها في المنطقة العربية عبر تأطير علاقاتها مع دول الجوار وحل الخلاقات معها.
فتح طريق الحج بعد إغلاق دام 26 عامًا
ليس أدل على تطور العلاقات بين السعودية والعراق من فتح طريق الحج الذي يعود تاريخه إلى القرن الأول للهجرة، وعرف باسم “طريق الحجاج”، نسبة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، كونه أول من أنشأه، وحفر فيه الآبار لقوافل الحجيج. حيث بدأت عمليات تأهيل واسعة للطريق تتضمن تعبيد الطريق بالإسفلت، وصيانته من الحفر، ووضع علامات مرورية، وتأهيل المنفذ البري بالتعاون مع وزارة الداخلية، ممثلة بمديرية الجوازات العامة، ويتزامن هذا مع خطة واسعة أشرفت عليها وزارة الدفاع العراقية لتأمين الطريق ونشر نقاط مراقبة حوله.
ونقلت وسائل إعلام سعودية عن سفير العراق لدى الرياض، رشدي العاني، قوله إن “الأسابيع المقبلة ستشهد افتتاح منفذي عرعر وجميمة الحدوديين مع السعودية”، وبالإضافة إلى ذلك أكد السفير أنه سيتم البدء بالتشغيل التجريبي لخطوط الطيران بين الرياض وبغداد، خلال شهر، “عبر إطلاق أربع وجهات من جدة والرياض إلى بغداد والنجف وأربيل والبصرة”. كما تم الاتفاق على “فتح منفذ عرعر في الأنبار، ومنفذ جميمة بمحافظة المثنى، الحدوديين مع السعودية، بعد عيد الأضحى المبارك”.
تحتفط السعودية بقرابة 138 سجين عراقي في سجونها معظمهم متهمين بقضايا تهريب المخدرات أو عبور الحدود بطريقة غير شرعية، بينما يوجد 113 سعودي في المعتقلات العراقية، معظمهم يواجهون تهما في قضايا ارهابية
يُشار أن تطور العلاقات بين البلدين، جاء في ملف الحجاج أيضًا فقبل أسابيع عن توافد الحجاج إلى السعودية لأداء مناسك الحج، رفعت السعودية حصة حجاج العراق من 25 ألف مقعد إلى 33500 ألف مقعد بعد المفاوضات الأخيرة التي أجراها رئيس هيئة الحج والعمرة، القيادي في حزب الدعوة الإسلامية، خالد العطية مع السلطات السعودية.
وكشف مسؤولون عراقيون في بغداد عن وجود نحو 1800 عنصر من مليشيات الحشد الشعبي ضمن قوائم الذين منحوا موافقات الدخول للسعودية لأداء مناسك الحج بعد إقرار الهيئة العليا للحج تخصيص 10 في المائة من مقاعد الحج المخصصة للعراق لما يعرف بـ”هيئة الحشد الشعبي وذوي الشهداء”. يأتي تنسيق العلاقات بين البلدين أيضًا قبل شهور من تحرير الموصل من “داعش”، وبدء استقطاب العراق لاستثمارات إعادة الإعمار في كافة المجالات.
349.jpg

رئيس هيئة أركان الجيش السعودي، الفريق الأول الركن، عبد الرحمن بن صالح
ولا يخفى أن العراق عضو مؤسس في منظمة “أوبك” لتصدير النفط، وقد سبق للعراق أن وقع مجموعة عقود مع شركات أجنبية لتطوير عدد من حقوله النفطية، لرفع انتاجه من مليونين برميل يوميًا إلى 12 مليون برميل في اليوم الواحد خلال السنوات الست المقبلة، مما يجعله منافسًا أساسيًا للسعودية التي وصل إنتاجها الحالي إلى قرابة 10 ملايين برميل يوميًا.
قبل أسابيع من توافد الحجاج إلى السعودية لأداء مناسك الحج، رفعت السعودية حصة حجاج العراق من 25 ألف مقعد إلى 33500 ألف
ويقول المحلل السياسي عبد الخالق جمعة أن “السعودية بدأت تشعر أن العراق الجديد بات ندا لها من حيث أهميته النفطية، وبالتالي فإن كسب بلد منتج نفطيًا كصديق هو أفضل من تحويله الى عدو”. ويبدو أن النفط ليس الموضوع الوحيد في ملف العلاقات الاقتصادية بين البلدين فهناك قضية بحث زيادة سبل التبادل التجاري بين البلدين من خلال المنفذ الحدودي “عرعر” والذي يقع في شمال شرق السعودية.
ووفقًا لمصادر تحدثت لـ”المدى”، فإن “الأيام القليلة المقبلة ستشهد فتح المنفذين الحدوديين، عرعر وجميمة، أمام حركة البضائع والوافدين من كلا البلدين”، مؤكدًا أن “كل الملفات الخلافية بين العراق والسعودية في طريقها للحل من خلال المجالس التنسيقية التي شكلت”. كل ما سلف يشير أن الاستقراء الأولي لتلك الزيارات والاتفاقات يشير إلى أن الجانب السعودي بدأ يتخلى تدريجيًا عن مواقفه المتشنجة لصالح بناء علاقات طيبة مع العراق بعد سنوات من الجفاء.

كاتب المقال