لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأحد: 26 فبراير، 2017

كاتب المقال / عبد المنعم الاعسم

موضوع التسامح وسبل تحقيقه في المجتمع العراقي اضبح مكررا ومعظم موجباته صارت معروفة، لكن المشكلة تتمثل في احكام التسامح من جهة وفي تأشير المشمولين به من فئات سياسية ودينية وقومية من جهة ثانية.
والتسامح، الى ذلك، قديم جداً في الفكر الإنساني، وهو يتصل بعدد من المفاهيم  القريبة منه، ويتمايز عنها، مثل المصالحة التي تعني البدء من جديد بعلاقات بين أطراف وأحزاب دخلت في خصومات وحروب وتحقق شيئاً من هذا اللقاء على وفق قاعدة لا غالب ولا مغلوب، أي أن تحقيق المصالحة يتمّ بإتفاق الطرفين بواسطة وسيط أو بمبادرة من أحد طرفي النزاع، وعلى شكل إتفاق مكتوب أو غير مكتوب، وكذلك مع مفهوم العفو العام الذي تعلنه السلطات عن أناس أو جماعات مطلوبة للحكومات أو يعيشون خارج بلدانهم أو مسجونين بأحكام معينة فتعفو عنهم وتسقط هذه الأحكام وتفتح أمامهم المجال لأن يعيشوا حياة طبيعية، غير أن هذا العفو يظل مشروطاً بالتزامات محددة. وثمة علاقة بين التسامح وفكرة الحوار الذي يُعّد خياراً سلمياً للتواصل بين مجموعات مختلفة ومتصارعة ومتحاربة تجد في نهاية النفق إمكانية للحلول الوسطى التي تتمخض عن الحوار على أساس توازن القوى واتفاق الأطراف المتصارعة وقبولها، علماً بأن الظروف السياسية والاجتماعية هي التي تحدد ذلك. اما الاعتذار واحترام الرأي الآخر فهي مفاهيم مجاورة للتسامح إذ تقوم جهة أو دولة أو أتباع مجموعة دينية معينة بالاعتذار من جهة أو مجموعة أو ديانة أو قومية معينة لما فعلته بالفترة السابقة. والاعتذار ثقافة عصرية مدنية حديثة تتسابق الشعوب المتمدنة على ممارستها، كما تتسابق الزعامات على تقديمها ليس من منطلق الضعف، وإنما من منطلق الرأي والرأي الآخر.
ان التسامح في مجتمعات قبلية وزراعية، مثل مجتمعنا،  قضية مركبّة ومعقدة لكن لا يمنع ذلك من التساؤل: إلى أي مدى يمكن أن نتسامح؟ ولكن قبل هذا السؤال علينا أن نطرح السؤال الأكثر أهمية وخطورة وهو: مَنْ يسامحُ مَنْ؟ وعندها سوف نلامس الموضوع ونتحسس خطورته، فالضحية، في بدء الامر،  هو الذي يبدأ بالتسامح مع اولئك الذين اساءوا اليه والحقوا الاذى به، وامثلة ذلك كثيرة في الفكر اليوناني والأغريقي الزاخر بالنصوص التي تدعو ان لا يبقى المرء اسير الأحقاد والتوترات الدفينة وكان سقراط الذي خاض صراعاً ضد الاستبداد قد قدم مفهوما ذاتيا عن التسامح والصفح عن خصومه فيما طور أفلاطون   مفهوم التسامح  في جمهوريته وعزّزها من بعده أرسطو طاليس ثم جاءت الديانات اللاحقة التي أخذت بفكرة التسامح وطوّرتها مثل اليهودية والمسيحية والإسلام. وإذا كانت اليهودية قد طرحت مفهوم التسامح بشكل أخلاقي فإن فكرة المسيح أصلاً أو المسيحية قائمة على التسامح إلى أن ظهر الإسلام الذي وردت فيه إشارات كثيرة إلى التسامح .
وشاءت المجتمعات الحديثة ان تضع التسامح في موضع التقديس وصاغت له التزامات ومفاهيم تدخل في مقومات الثقافة الجديدة، وانعكس ذلك في ميثاق الامم المتحدة لذي صدر بديباجته الأولى في الأربعينات من القرن الماضي وتحدث عن حقوق الإنسان وقيم السلام والعدالة والمساواة وإلتزام البشرية بهذه القيم، وجاء في  البند الثاني من المادة “26” من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وردت فيه الإشارة أيضاً إلى الإلتزام بتنمية التفاهم والتسامح بين الشعوب حيث وضعت منظمة اليونسكو فكرة التسامح في قلب عملها الثقافي ثم تمخضت خلاصة الجهود الدولية عن وثيقة مبادئ التسامح.
********.
لا شك في أن أي مجتمع يريد أن يقيم العدالة الراسخة ينبغي أن يعتمد على قيم التسامح التي تُعّد المفتاح الأساسي للسلام الأهلي غير أن تحقيق التسامح لا يتم دائماً بواسطة احترام العدالة لأن هناك أناساً يُعفى عنهم دائماً بينما يكونون مطلوبين للقانون، الامر الذي يعد موضوعا دخل في مشغولية المفكرين في كل مكان، ففي لندن عرضت منذ سنوات مسرحيةالموت والعازبة” وهي مسرحية تشيلية أبطالها ثلاث شخصيات وهم المحامي جيراردو، وزوجته بولينا سالاز والطبيب ميراندا، حيث  تُوكل للمحامي جيراردو مهمة المشاركة في لجنة تحقيق بالجرائم التي ارتكبتها دكتاتورية أغستو بينوشيه وكان من دُعاة التسامح ويريد أن يخرج من هذا التحقيق مع الجلادين بما يرسِّخ السلام الأهلي في العهد الجديد.
يصادف المحامي وهو في الطريق إلى منزله أن تتعطل سيارته في مكان محرج وبعد ساعات طويلة من الإنتظار تقف إلى جانبه سيارة حيث يتطوع صاحبها بالقول: أنا الدكتور ميراندا، هل أستطيع أن أقدّم لك مساعدة ما؟ وبالفعل يساعده في إصلاح عطل السيارة فيبادر المحامي إلى دعوة الطبيب إلى منزلة لتناول كوب من الشاي بهدف التعرّف عليه. وحينما يبادر المحامي بتعريف الضيف لزوجته تصرخ قائلة: إنه جلادي!إذ كان الطبيب يشارك في عمليات التعذيب في عهد بينوشيه ويشرف على اغتصاب النساء . تُسلّط هذه المسرحية الضوء على الضحية والجلاد، كما أنها تتناول فكرة المحامي الذي يحاول أن يقنع زوجته الضحية بأن تتسامح مع جلادها بهدف تعزيز ثقافة التسامح وترسيخ مفهوم السلم الأهلي. تفقد بولينا سالاز السيطرة على نفسها فتمسك بالمسدس وتهجم على الطبيب الجلاد وتوثقه على كرسي وتدخل معه في حوار عميق ومؤثر، وقد اثارت هذه المسرحية كثيراً من الجدل حول موضوع التسامح والعدالة ومن هذه الاسئلة: هل أن التسامح يعفي الناس الذين ارتكبوا جرائم وتسببوا في أذى الآخرين؟ وهل أن الموظفين الذين ينفِّذون أوامر المسؤولين الكبار في الدولة يتحملون جزءاً من المسؤولية القانونية عن هذه الجرائم؟

أن هذه المسرحية تسلّط الضوء على الطريقة التي يتعامل فيها الضحايا المُنكّل بهم مع جلاديهم حينما يلتقونهم وجهاً لوجه، كما أن العديد من النصوص الروائية والمدوّنات تسلّط الضوء على هذه القضية المعقدة التي يقْدم في الإنسان الضحية على مسامحة جلاده، فيما فعل المسامحة بحد ذاته يحتاج إلى العديد من الرافعات السايكولوجية والثقافية والاجتماعية وخاصة حينما يكون ذات صلة بعقائد وقناعات فكرية وسياسية.

وهنا يمكن الاستدلال بحكاية الأسير الإيطالي السابق بريمو ليفي الذي روى لنا في كتابه المعنون “الهدنة” كيف أخلى الصليب الأحمر سبيله من أحد مراكز الإعتقال الهتلرية ومضى في رحلة طويلة مع مجموعة من أصحابه بهدف الوصول إلى منازلهم في إيطاليا غير أن ظروف الحرب لم تكن تسمح لهم بالعودة اليسيرة إلى منازلهم فيظل يتجول في عدد من القرى والمدن فيعثر على مجموعة من الجنود الألمان، الغستابو، الذين تقطعت بهم ويبحثون عن لقمة خبز يسدّون بها رمقهم. كان أحد رفاق ليفي قد فقدَ في الحرب أمه وأباه وشقيقته وزوجته فكيف سيتعامل مع الجنود الألمان؟ يسلّط ليفي في هذه الأثناء الضوء على الملامح النفسية والتعبيرية لهؤلاء الجنود الذين قاموا مقام الجلادين وارتكبوا الجرائم والمجازر بحق الضحايا من مختلف الجنسيات، والنتيجة، بأن رأياً عاماً يتعزز داخل المجموعتين مفاده أنهم لا يستطعوا أن يعيشوا كبشر من دون فكرة التسامح
ان خيار التسامح يطلق السؤال التفصيلي: كيف للضحايا أن ينسوا معذِّبيهم، وكيف للشعوب أن تنسى جلاديها؟ ومن خلال هذين السؤالين نطرح سؤالاً جديداً مفاده: هل يمكن لنا أن نبني سلاماً أهلياً من دون عملية التسامح؟ ومنْ يبدأ التسامح واحترام الآخر قبل غيره؟
**********
ماتن لوثر كينغ:
“للاسف، نحن نملك صواريخ موجهة ورجالا غير موجهين”.

كاتب المقال

اقرأ ايضا

مَوضوع ٌخَطير ٌ …. جِدا ً

الخميس: 12 يناير، 2017