لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأحد: 14 يناير، 2018

ماجد السامرائي

قيل في السياسة إن السلطة هي مفسدة السياسيين وإنها مخرّبة لأواصر المؤتلفين وحتى منظومات الحزب الواحد ذي الأيديولوجيا الواحدة. حصل ذلك عند الأحزاب القومية واليسارية فقد انقسم تنظيما البعث السوري، الحاكم في دمشق، والعراقي، الحاكم في العراق، عام 1964 بعد حكم دام تسعة أشهر في العراق. وتحوّل ذلك الانشقاق إلى نكبة وتراجع للتيار القومي العروبي. وهذا ما يحصل لحزب الدعوة اليوم الذي حكم العراق باسم الإسلام السياسي لأربعة عشر عاما.

علامات الانشقاق التنظيمي والسياسي داخل حزب الدعوة أخذت تتعمق حول السلطة وإدارة الحكم وحول نتائج تلك السياسات سواء في عهد أطول حكم لرئيس وزراء بعد عام 2003 هو نوري المالكي أو في عهد خليفته وابن حزبه حيدر العبادي الذي يحاول أن يرث دورة إعادة الحكم لمرة ثانية خلال الانتخابات المقبلة التي يدور الجدل حول توقيتها.

ومنذ الساعة التي لم يرض فيها المالكي بقرار عدم تجديد ولايته عام 2014 رغم فوز قائمة ائتلاف حزبه وتسليمها للعبادي، أخذ الصراع يتمدد ويتصاعد. ابتدأ بشكليات كانت تبدو صغيرة كتردد المالكي في تسليم مقر مكتب رئيس الوزراء للخلف الجديد. لكن هذه الشكليات الصغيرة كانت تخفي الكثير من العلامات التي كبرت في ما بعد، والتي تشير إلى عدم تسليم المالكي لنهايته مع علمه بأن مجيئه تم عبر الانتخابات والتداول السلمي للسلطة. لكن منطق الأبوة الحزبية هيمن على مخيلته السياسية وشعوره بأنه أكفأ قيادات حزبه وأكثرهم إخلاصا “لطائفته”، وهو الذي قال في تصريح صحافي نسب إليه، “أنا شيعي قبل أن أكون عراقيا”؛ وهو الذي فتح معارك القيادة الحزبية مع الأمين السابق إبراهيم الأشيقر الجعفري، الذي اضطر إلى الانشقاق وتشكيل حزب الإصلاح أو فتحه لمعارك سياسية وعسكرية مع حلفاء من طائفته مثل التيار الصدري الذي حاربه بجولة الفرسان عام 2008 في مدينة البصرة أو اقتحامه لمنصات الأنبار الاحتجاجية والتي تحولت في نظره إلى “فقاعة” ثم إلى وكر لداعش.

المالكي لم يقتنع بنظرية أن الحزب هو الذي يصنع القادة الذين يتجددون عبر المهمات والمراحل وإذا ما فشلوا أو أخطأوا يأتي من بعدهم من يعدّل المسيرة، لكنه يعتقد بأنه هو الذي يصنع الحزب والولاء والجمهور. كانت قصتا داعش والفساد هما علامة الصراع السياسي ما بين المالكي والعبادي، وهناك تفصيلات كثيرة تقع تحت تلك العلامتين البارزتين. فالعبادي أدار معارك تحرير العراق من داعش في الموصل والأنبار وصلاح الدين وكركوك وحقق النصر العسكري بعد ثلاث سنوات من حكمه بعد فتوى “الجهاد الكفائي” للمرجع الشيعي علي السيستاني وتحالف أكثر من 63 دولة على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

وقبل إنجاز التحرير بثلاث سنوات فتح ملف هزيمة القوات العسكرية العراقية في الموصل في مجلس النواب وجرى حولها ضجيج كبير وتوظيف سياسي بين الكتل المؤيدة لسياسة المالكي وتلك الناقدة له، وبتاريخ 16‏/08‏/2015 صدر تقرير لجنة التحقيق البرلمانية بخصوص تسليم الموصل لداعش، وحمّل المسؤولية إلى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي و30 شخصية عسكرية ومدنية.

لكن توصيات التحقيق وإجراءاته ركنها حيدر العبادي لحساباته الحزبية والسياسية. لكن المالكي ردّ على اتهامه بقوله في مقابلة تلفزيونية إن “ما حصل في الموصل مؤامرة ويجب محاسبة المسؤولين عنها وفي مقدمتهم مسعود البارزاني الذي كان له الدور في سقوط الموصل ووجود داعش إلى جانب بعض القيادات السنّية”، كما طالب بالتحقيق في سقوط مدينة الرمادي في بداية عهد العبادي. مما دعا العبادي إلى تجميد ملف الموصل واتفق مع رفيق دربه “المالكي بأن الفساد في الجيش هو الذي قاد إلى هزيمة الموصل” بحسب تصريحاته بتاريخ 31 يناير 2017.

رغم عدم تسليم المالكي بنهاية طموحه السياسي فإنه اعترف في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 16/8/2015 أن “الطبقة السياسية التي تدير العملية السياسية فشلت فشلا ذريعا، وأنا منهم، وينبغي ألا يكون لهم دور في رسم الخارطة السياسية”.

ومع ذلك تشير التقارير والتسريبات الإعلامية الكثيرة إلى النشاطات الكثيرة للمالكي في وسطه الشيعي لحفظ الولاء له ومحاولة تجميع الأخطاء ضد العبادي ووصفه بالرجل الضعيف وخشيته من تطور التحالفات السياسية الأولية مع الزعيم مقتدى الصدر الذي يكن له العداء العميق إلى احتمالات قيام جبهة انتخابية عريضة تسقط أحلام المالكي.

ولا تحصر مسؤوليات العبادي واستحقاقات رئاسته للحكومة في الانتصار العسكري على داعش بل في متطلبات ما بعد هذا الانتصار الذي قد يضيع بريقه إذا لم يف بواحد من تلك الاستحقاقات، وهذا ما يراقبه المالكي ويراهن عليه في معركة كسر العظم.

أهم تلك القضايا يتمثل في إعادة النازحين إلى محافظاتهم الغربية الست وتحقيق الاستقرار الأمني والمعيشي لهم، أمام حالة هيمنة بعض القوى العسكرية التابعة للحشد الشعبي على تلك المحافظات، والشعور العام بأنه من غير اللائق عدم احترام قادة العملية السياسية لما يعيشه أبناء تلك المحافظات من معاناة مازالت تدور حول العثور على جثث أهاليهم وأبنائهم بين الركام خصوصا في مدينة الموصل، فكيف يجبرون على الإدلاء بأصواتهم في مخيمات النزوح ولا يمتلك أكثرهم بطاقات الانتخاب.

أدت هذه القضية الجدلية إلى اصطفافات تتعلق بالمناخ المبكر للتنافس الانتخابي. فالزعامات السنية والعشائرية ترى أن الإصرار على موعد الانتخابات في الثاني عشر من مايو المقبل سيؤدي إلى تعقيدات كثيرة تفقد من خلالها تلك الزعامات مكانتها بين جمهورها، أما المالكي فيجد نفسه في مناخ أفضل إذا ما جرت الانتخابات في هذا الموعد ليحقق الغلبة لائتلاف دولة القانون.

والعبادي فموقفه الإعلامي مازال مصرا على الموعد الدستوري للانتخابات، فهو من ناحية يعتقد أن التأجيل ليس لصالح دعوته للقضاء على الفاسدين، لأنه لم يحرك أي ملف من تلك الملفات إلى الجهات القضائية، لكنه من ناحية أخرى بحاجة إلى عمل سياسي مكثف لإنضاج مشروعه الانتخابي لقائمته الجديدة (النصر والإصلاح) في ظل جدل آخر لا يقل أهمية يتعلق بمصير جمهور حزب الدعوة من الوسط الشيعي إلى أين يتوجهون، للمالكي أو للعبادي، في ظل وجود وقت هناك كلام حول تجديد نشاط المالكي بين الوسط العربي السني.

تبقى أكثر مسألة شاقة أمام العبادي هي معركة الفساد وهي ذات بعدين عسكري وسياسي مدني. فشبكات الفساد الأكثر خطورة هي داخل المؤسسة العسكرية، ويتذكر الناس ما أعلنه العبادي عن وجود أكثر من خمسين ألف “فضائي” أي منتسبين وهميين للمؤسسة العسكرية لهم يتقاضون رواتب ومخصصات تذهب لجيوب الفاسدين من القادة والآمرين، وأغلبهم موالون للمالكي الذي ردّ في تصريح لوكالة فرانس برس “بأنه لا صحة لهذه المعلومة مطلقا، والجيش سليم من الفضائيين، إلا من حالات نادرة تتم ملاحقتها، ومعاقبة المسؤولين عنها”.

وتحولت قضية الفساد إلى مادة للتوظيف السياسي بين قادة البيت الشيعي في حين جعلها العبادي عنوانا لخطابه اليومي ويقارن معركته بالمعركة على داعش، فيقول في إحدى خطبه إن “المرحلة المقبلة في العراق ستشهد حربا على الفساد والفاسدين ومثلما كان الخيار أمام إرهابيي داعش الاستسلام أو الموت، فإن الفاسدين سيخيرون بين أن يسلموا ما سلبوه للعفو عنهم أو أن يقضوا بقية حياتهم في السجن”.

هناك كلام يدور خلف الكواليس مفاده أن “استهداف زعامات الفساد يعني رجال المالكي في أروقة الدولة. وهناك حادثة تبدو عرضية وهي اتهام أحد قادة حزب الدعوة (محافظ بغداد صلاح عبدالرزاق) بملف فساد كبير وتم إقصاؤه من قبل رئيس الحزب نوري المالكي.

وتأتي قضية الأكراد أيضا لتسجل حضورها ضمن أزمات مرحلة ما بعد داعش. بعد إجراء الاستفتاء في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي رغم أن العبادي حقق ولاء سياسيا وطنيا في إجراءاته بالسيطرة على مدينة كركوك النفطية والمنافذ الحدودية، لكن قضية الحوار مع القيادات الكردية أصبح ميدانا للتنافس بين العبادي الذي يصّر على تطبيق آليات التخلي عن الاستفتاء، والمالكي الذي أخذ يبعث لقيادة البارزاني رسائل ودّية بعد أن سبق وأن اتهمه بإدخال داعش للعراق وتجب محاسبته، لكنه اليوم يؤدي هذا الدور نكاية برفيق دربه حيدر العبادي. وفي النهاية تبرز الحقيقة المرّة في السياسة “من يجمعهم الحزب تفرقهم السلطة”.

كاتب المقال