لنشر مقالاتكم: info[email protected]
مقالات
الأربعاء: 13 سبتمبر، 2017

 

وصل وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة الى العاصمة العراقية بغداد اليوم الاحد في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا ولم تعرف كذلك طبيعة المواضيع التي سيبحثها خلال اللقاءات التي سيجريها مع كبار المسؤولين العراقيين ,وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير إبراهيم الجعفري.
وقبل الخوض في الأهداف والأسباب التي تقف خلف هذه الزيارة لابد من الإشارة الى أنها تأتي في ظل موجة من الانفتاح الخليجي على العراق هي الأولى من نوعها منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 الذي كان من أبرز المتأسفين على سقوطه هما نظامي الحكم القائمين في كل من السعودية والبحرين. ولذا فلم يكن مستغربا أن تتسم علاقات هاتين الدولتين مع العهد الجديد في العراق بالفتور , خاصة وأن قيادات البلدين كانت تربطهما علاقات وثيقة بالنظام السابق , وخاصة رئيس وزراء البحرين خليفة سلمان آل خليفة الذي يحكم البلاد ومنذ استقلالها في مثل هذه الأيام قبل 46 عاما, إذ عرف عنه إعجابه بصدام وبسياساته القمعية والى الحد الذي كان يعلق فيه صورة صدام في مكتبه كما أكّد لي ذلك العديد من البحرانيين.
كما وأن هاتين الدولتين لم تكتفيا باتخاذ موقف سلبي من التغيير في العراق ,بل إنهما تورطتا بشكل كبير في دعم الجماعات الإرهابية في المنطقة وفي الترويج للفتنه الطائفية. وفيما يتعلق في البحرين فقد ساد فيها الخطاب التكفيري الذي روّج له نواب أمثال جاسم السعيدي والنائب السابق لرئيس برلمان البحرين عادل المعاودة، وعبد الحليم مراد، والنائب السابق حمد المهندي، وفيصل الغرير , والنائب محمد خالد , ويضاف الى ذلك وسائل الإعلام الحكومية التي طالما أهانت مقدسات الشيعة وحرضت عليهم في إطار سياسة حكومة شاملة تهدف الى تحويل الشيعة وهم أكثرية سكان البلاد , الى أقلية في أرض أجدادهم, من قبل عائلة آل خليفة التي احتلت البحرين قبل اكثر من قرنين من الزمن عندما زحفت نحو البحرين من موطنها في الزبارة بدولة قطر المجاورة. هذا الخطاب التكفيري روّجت له وزارة الداخلية في البحرين وثقفت عليه منتسبيها أسفرر عن التحاق عدد منهم بتنظيم داعش الإرهابي وفي مقدمتهم شقيق منظّر داعش المقبور تركي البنعلي والذي كان يعمل ضابطا في وزارة الداخلية.
هذه السلطات واجهت عدة انتفاضات من البحرانيين الذين حكمتهم بالحديد والنار, وركزت جميع إنتفاضاتهم على المطالبة بمعاملتهم كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات وليس كمواطنين درجة خامسة كماهم عليه اليوم بعد عائلة آل خليفة ومؤيديها من السنة والمجنسين الأجانب, ومن ثم السنه العاديين واخيرا الشيعة الذين يعانون من سياسات التمييز والإقصاء وخاصة في المؤسسات الأمنية والعسكرية المحظور على الشيعة الإنتساب لها. وكانت آخر إنتفاضة شهدتها البلاد في فبراير من العام 2011 ولازالت متواصلة. وقمعت السلطات الإنتفاضة الأخيرة بكل قسوة مستعينة بالجيش السعودي الذي احتل البلاد عام 2011 ولا زال جاثما على صدر أهلها, ثم حوّل آل خليفة البحرين وهي جزيرة صغيره الى قاعدة للقوات الأجنبية, فهي مقر للإسطول الخامس الأمريكي, وهي تضم أول قاعدة عسكرية بريطانية في المنطقة منذ إنسحاب قوات بريطانيا العظمى من شرقي قناة السويس أواخر الستينات من القرن الماضي, وهناك أيضا قوات إماراتية وقوة من الدرك الأردني , وآلاف المرتزقة المستوردين من مختلف بلدان العالم ممن يعملون في الأجهزة الأمنية وفي مقدمتهم عناصر من جهازي أمن ومخابرات النظام الصدامي بإلإضافة الى فدائيي صدام.
لكن السلطات فشلت وبالرغم من كل ذلك في وقف الإنتفاضة بالرغم من سقوط مئات الشهداء واعتقال اكثر من 4000 بحراني وإسقاط جنسية المئات وحل كبرى الجمعيات المعاضة في البلاد وفي مقدمتها جمعية الوفاق وسجن زعيمها الشيخ علي سلمان, وأخيرا إسقاط جنسية الزعيم الروحي للشيعة في البحرين آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم وفرض الإقامة الجبرية عليه ومحاكمته بتهمة أخد الخمس.

هذه السلطات تعيش مأزقا اليوم وهي لاتعرف كيفية الخروج منه , وقد ألقت هذه الأزمة الأمنية بظلالها على الوضع الإقتصادي في البلاد التي شهدت موازنتها عجزا في السنتين الأخيرتين إثر إنخفاض أسعار النفط وتزايد الإنفاق العسكري والأمني بهدف قمع الإنتفاضه واخيرا تورط النظام في حرب اليمن.

لكن هذه السلطات وبرغم هذا المأزق الأمني والإقتصادي أغلقت كافة أبواب الحوار مع فصائل المعارضة وزجت بالسجن بقادة الحراك وبالحقوقيين وأبرزهم نبيل رجب رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان , وآخرهم الحقوقية ابتسام الصائغ التي تم اعتقالها وتعذيبها بعد مشاركتها في اعمال مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة بجنيف. ومن هنا يمكن أن تتضح الأهداف الحقيقية لزيارة خالد أحمد آل خليفة الى بغداد.

فهذه الزيارة لا تخلو من تحقيق أربعة أهداف محتمله واولها انها تندرج في إطار تطبيع العلاقات مع العراق وطي صفحة العداء مع العهد الجديد خاصة بعد ان استعاد العراق شيئا من عافيته بعد تحرير مدينة الموصل الذي وجه ضربة قاصمة لتنظيم داعش الإرهابي صنيعة الأنظمة الخليجية الطائفية ,إذ تحاول السعودية والبحرين عبر هذه الزيارت امتصاص حالة الغضب والنقمة على دعمهما للجماعات الإرهابية وترويجهما للفكر التكفيري.

واما الهدف الثاني فهو مكمل الى الأول إذ يبدو أن سياسة البحرين وهي تبعٌ للسعودية, تهدف الى إعادة العراق الى محيطه العربي الخليجي وإبعاده عن الدوران في الفلك الإيراني بالرغم من أن ايران لم تعاد الوضع الجديد في العراق بل وقفت داعمة له طوال السنوات الماضية وبالرغم من أنها حاربت الإرهاب في العراق وعلى العكس من السعودية والبحرين.
وأما الهدف الثالث المحتمل للزيارة فهو محاولة السلطات الحاكمة في البحرين طي صفحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم عبر الطلب من السلطات العراقية السماح باستضافته في مدينة الجدف الأشرف. وأما الهدف المحتمل الأخير فهو سعي السلطات لوضع حد للأزمة السياسية المتواصلة في البحرين والتي ستضع البلاد على حافة الإفلاس في العام 2020 وفقا لتوقعات إقتصاديين ومنهم الإقتصادي البحراني البارز والمعارض ابراهيم شريف.

و فيما يتعلق بالهدف الأول فعلى المسؤولين العراقيين الا يطووا صفحة الماضي بمجرد ان هذه الدول بدأت بالإنفتاح على العراق, وتبويس اللحى (رغم أن خالد آل خليفة وعادل الجبير ليس لديهما لحى) فالعراق ليس بحاجة الى علاقات مع هذه الدول بعد أن نجح في معركته ضد قوى الإرهاب وبات اليوم أقوى مما كان عليه قبل سنوات, كما وأن العراق استعاد دوره في اسواق النفط بعد أن تجاوز إنتاجه حاجز الأربعة مليون برميل يوميا وهو مايفسر تطلع السعودية الى التعاون معه من اجل التحكم بأسعار النفط.

ولذا فإن غض العراق عن دور هاتين الدولتين في تدمير البلاد طوال السنوات الماضية لا ينبغي أن يكون بخسا وهو تعزيز العلاقات فقط. فكما أن أمريكا أقرت قانون “جاستا” الذي أثار حفيظة السعودية التي أبرمت عقود مع أمريكا بقيمة 460 مليار دولار بهدف التخلص من وطأة هذا القانون فلا ينبغي للحكومة العراقية أن تتنازل عن حقها في مطالبة السعودية والبحرين بتعويضات وتعهدات بعدم دعم الجماعات الإرهابية,وكمرحلة أولى يجب أن يطلب العراق من هاتين الدولتين تجريم الخطاب الطائفي التحريضي.

وبالنسبة للهدف الثاني فعلى الحكومة ان تكون واضحة في هذا الشأن مع البحرين والسعودية وأي دولة أخرى وهي أن اي علاقات مع هذه الدول لن تكون على حساب ايران, وأن العلاقة مع ايران علاقات استراتيجية ضمن إطار احترام سيادة البلدين وعدم التدخل في شؤونهما الداخلية, وبذلك تقطع الحكومة الطريق امام أي محاولة سعودية لدق اسفين بين العراق وايران التي لا يمكن نسيان مواقفها الداعمة للتغيير الذي حصل في العراق.

وفيما يتعلق بالهدف الثالث للزيارة فلابد للحكومة العراقية من عدم القاء طوق النجاة الى النظام الحاكم في البحرين عبر السماح له بتسفير آية الله قاسم بعد أن أسقط جنسيته ,بل يجب مطالبة البحرين بإعادة جنسيته واحترام مقامه باعتباره زعيما لشيعة البحرين. واما إن تحججت حكومة البحرين بان ذلك شأن داخلي فيجب رفض أي طلب لها بهذا الخصوص لأنه شأن بحراني داخلي بحسب ادعاءها.

وأما الهدف الرابع وهو حل الأزمة السياسية في البحرين, فعلى الحكومة العراقية أن تعرض حلها للأزمة إن طلب منها خالد الخليفة ذلك والحل هو في طلب العراق من آل خليفة في أن تعامل شيعة البحرين كما تعامل حكومة الأغلبية الشيعية سنة العراق فيما يتعلق بمشاركتهم في إدارة شؤون البلاد, وذلك عبر إجراء انتخابات حرة وبدوائر انتخابية بحسب تعداد السكان , ويتولى الفائز في الإنتخابات تشكيل حكومة وحدة وطنية وإنهاء كافة سياسات التهميش والإقصاء ضد الأغلبية الشيعية في البلاد ,وكبادرة على حسن نية النظام وقبل دخول العراق كوسيط لحل الأزمة, يجب على النظام إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين والحقوقيين وخاصة قادة ورموز ثورة الرابع عشر من فبراير وإعادة الجنسية لمن أسقطت عنهم والغاء أحكام الإعدام والسماح بعودة الهاجرين وبغير ذلك فإن جميع الحلول الترقيعية والوساطات هي إنقاذ للنظام من مأزقه الذي أوقع نفسه فيه وهي سهم سيوجّه الى قلوب شيعة البحرين الذين يعقدون كثيرا من الآمال على العراق لإنقاذهم, بعد أن تكالبت عليهم القوى الخارجية التي تدافع عن مصالحها ولو بسحق البحرانيين.

كاتب المقال