لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأحد: 24 يونيو، 2018

مخاض عسير هو ذلك الذي أصاب العملية الانتخابية (ولا أقول العملية السياسية) التي جرت مؤخرا في العراق, فما هو ظاهر للعين المجردة يقودنا إلى صورة تشاؤمية سوداوية, قد تكون إحدى أهم عوامل ضعف وتفكك أي حس وطني, أو إرادة وطنية شعبية, يتأمل أي مراقب للحدث, أن تنمو أو تنشط في بلد كالعراق.
ما شاب الانتخابات الأخيرة من عمليات تزوير, وتضليل, وتسفيه للآراء, وتشكيك, وتكذيب, وتفسيق, وترهيب, وتسويف, وتغيير للحقائق, إنما تصب كلها في حراك وصراع اختلط فيه السياسي مع النفعي المجتمعي, على الأقل هذا ما هو ظاهر للعيان, وما يدعم هذا القول, هو أن لكل جهة اعتراضاتها الأخلاقية قبل الاعتراضات القانونية أو السياسية على الانتخابات الأخيرة, وعلى الرغم من تضخيم الصرة السلبية للسلبيات التي رافقت هذه العملية, إلا أن هناك تمييزا واضحا يجب الانتباه له في تقييمنا لهذه الانتخابات.
يعتقد الكثيرون أن التزوير في هذه الانتخابات يمثل السمة الأبرز, لكي يتم الطعن بشرعيتها, ولكن التفكير المتسلسل الهادئ سيقودنا إلى وجود جرائم أكثر فداحة من جريمة التزوير بحد ذاتها! : حرق صناديق الإقتراع, شراء بطاقات التصويت, محاولة شراء الأصوات بشكل مباشر من أمام مراكز الإقتراع, ممارسة الترهيب والتهديد بالقتل من قبل بعض الجهات لضمان حصول تصويت الأفراد لقائمتهم, محاولة التأثير على البرلمان الذي يمثل الجهة التشريعية العليا في البلد, من أجل ( 1- إلغاء الأجهزة الألكترونية للعد والفرز. 2- اقالة المفوضية. 3- إعادة العد والفرز اليدوي. 4- وأخيرا الغاء الانتخابات), محاولة التأثير على المحكمة الاتحادية من أجل تمرير بعض قوانين البرلمان, التصعيد الإعلامي المتسلح بالتكذيب والتخوين .. الخ .
لعبة السياسة بشكلها العام, وفي العراق بشكل خاص, لا يمكن تحليلها من خلال تناول الحدث الآني, دون الرجوع لمهيئات أو مسببات تكميلية للحدث, تكون سابقة له, ونتيجة تتمخض عنه؛ عدم وجود الثقة في عملية التنافس السياسي, وإدراج التسقيط السياسي, كأحد أدوات العمل السياسي المقبولة أخلاقيا وقيميّاً في مجتمع أغلب أفراده يدعون الإسلام الذي نهى عن التسقيط بدون بينة! إضافة لصراع الو لاءات التي ساهمت دول الخارج في صياغة أكثر أبعاده, هي من أهم المسببات التي قادت لهذه النتيجة الانتخابية التي يرى البعض أنها مزرية, والبعض يرى أنها مقبولة نوعا ما في إطارها الديمقراطي الصرف.
جاءت قرارات المحكمة الاتحادية (التي تعتبر السلطة القضائية والقانونية العليا في هذا البلد) لتقطع نزاع القوم, فهي لم تقل بعدم شرعية الانتخابات, بل أقرت بوجود تزوير قد حدث فيها نتيجة سوء استخدام أجهزة العد والفرز الالكترونية, لذا جاء قرارها مؤيدا قرار البرلمان الذي ضرب هذه الأجهزة, وشكك في قابليتها على أن تكون أدوات للنزاهة في هذه العملية, وأيد البرلمان في إعادة العد والفرز اليدوي, مع ما لهذا النمط من سلبيات قد تكون أكثر من سلبية الأجهزة الألكترونية.
إلى الآن كل ما حصل هو شيء طبيعي, لا يقود إلى خواتيم سيئة سوداوية كما يعتقد البعض, وإن كان البعض يستغرب كلامي هذا, لأنني اعتقد أن من حسنات الديمقراطية, هو وجود أمثال هذا الصراع, والذي يقود دوما وأبدا إلى عدم تمكن أي جهة من الاستحواذ على مقدرات الحكم في البلد, بل إن مبدأ التنافس بين المكونات السياسية, سيكون هو الخنجر المسموم ضد أي دكتاتورية تريد أي جهة, أو شخص, أو طرف (داخلي أو خارجي) إقامتها في هذا البلد.
قد يعترض علي الكثير, ويقولون ماذا حصلنا من هذه الديمقراطية, ولكنني أقولها وأنا مطمئن, أنه لولا هذا الحراك الديمقراطي, لصعدت إلى سدة الحكم وحوش دكتاتورية, لا قِبَلَ لأحد بعد ذلك بإزاحتها, لأنهم سيملكون حينها كل عوامل التأثير والنفوذ والسيطرة : المال الكثير, والسلاح , والعسكر, شراء مكونات المجتمع, الحصول على التأييد والدعم الغربي الكامل .. الخ
وحينها ولات حين مندم.
نحن مع المحكمة الاتحادية, إحتراما لقدسية القانون, مع إننا نرى أن في إجرائها الكثير من الأخطاء!

كاتب المقال