لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الخميس: 23 فبراير، 2017

كاتب المقال / عبد المنعم الاعسم

فسرت المعاجم المعتمدة العلمانية بأنها:”مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وشاء المصلح الكبير محمد عبده ان ينطلق من هذا التعريف الى القول “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين فيما اعاد سعد زغول توليف الدعوة بمقولته الشهيرة “الدين لله والوطن للجميع ولا غرابة طبعا ان تنشأ حركة الدعوة الى الدولة العلمانية بين كتاب في مصر مثل فرح أنطون وجورجي زيدان وشبلي شميل وقاسم أمين وعلي عبد الرازقوالطهطاوي وأحمد لطفي السيد وطه حسين قبل غيرهم، فان الدولة المصرية الحديثة تأسست قبل الكثير من دول المنطقة وان مدعاة اقامة نظام علماني استُمدت من المشكلات التي واجهتها الدولة المصرية في القرن التاسع عشر.
الى ذلك، من الخطأ القول بان الدعوة الى (وحتى ممارسة) شكل من العلمانية وحالات الفصل بين الاختصاصات لم تظهر في المجتمعات الاسلامية إلا في مراحل متأخرة، فان بعض معارضي الدولة الاموية، مثلا، عندما بايعوا معاوية خاطبوه بالقول:  “نحن للأمة في أمور دينها وأنت للأمة في أمور دنياها” كما ان ثمة الكثير الحالات  كان فيها التشريع يجري مجرى الفصل بين مؤسستي الخلافة والفقه.
  والان، يمكن القول، وبعيدا عن زوايا المصطلح واشكاليات التعريف الاكاديمي للعلمانية ان  رابطة المواطنة على اساس العقد الاجتماعي(كما ترد في الكثير من دساتير الدول الاسلامية) وليس على اساس الدين والمذهب هو اللبنة الاولى في الدولة العلمانية لمجتمع غالبيته مسلمة.
  ويمكن الاضافة الى ذلك، ان الدعوة الى العلمانية لدى المجتمعات الاسلامية انطلقت في الوقت الذي تعذر اقامة الدولة الدينية على وفق مقولة العالم المودودي “الحكومات لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله” فان الغالبية الساحقة من الحكومات الاسلامية المطاعة اضطرت الى التخلي عن فروض شرعية اساسية  مثل تطبيق العقوبات البدنية كالجلد وقطع اليد والرجم ، فضلا عن اسقاط جباية الجزية من مواطنيها غير المسلمين، والسماح للانشطة المدنية، بما فيها حرية الاعتقاد والولاء والتعبير.  
   
 وإذ دخلت المستعمرات الاسيوية والافريقية (واكثريتها مسلمة) مرحلة الثورة على التبعية والاستعمار الاجنبي فقد اخذت المراجع والهيئات الدينية دور الرائد في حركة  الانعتاق والاستقلال، لكن سرعة نشوء الجيوش الوطنية وقيام العسكر بانقلابات في غالبية هذه الدول حديثة الاستقلال كسر من نفوذ كتلة “علماء الدين” في السياسات القومية الجديدة، بل وفتح عهد الصراعات المديدة بين الجانبين(مصر. الباكستان. تركيا) وانتهى الامر بالكثير من الدول الى محاولات تدجين المسجد من قبل انظمة الحكم الانقلابية وحكم العائلات او التوابع وفرض تفسير مقولة “اطاعة اولي الامر” بالموالاة المطلقة للحكام على اختلاف مشاربهم.
 وينبغي ان نضيف الى هذه القراءة (في الحالة العراقية مثلا) حقيقة موازية تتصل بالتقسيم المذهبي للاغلبية المسلمة، ودور مرجعية النجف الناشط  في مقاومة العثمانيين، والبريطانيين، ثم في تأسيس المملكة العراقية، قبل ان تضطرب العلاقة بين المرجعية ومؤسسة الحكم، صعودا ونزولا، طوال عهد الجمهورية، ودخول الطرفين في اجواء الريبة والمجابهات، وقد برزت العلمانية لدى الكثيرين، وفي شكلها المبسط، كحل يجنب البلاد دوامة الاحتراب الطائفي، بل ان مرجعية النجف كانت(طوال صعود صدام حسين واشعال الحرب مع ايران) تلوذ بتفسير اقرب الى العلمانية تحت عنوان (الدين لا يتدخل في السياسة) اتقاء بطش الدكتاتورية ودفعا لضغوط اجهزة السلطة زمنعا لاجبارها على تأييد سياسة النظام ومبايعته.
 وفيما تتزايد مساحة التفكير والبحث في جدوى وضرورات بناء منظومة فصل (او علاقة) علمانية بين الدين والسياسة في العراق الجديد فقد تزايدت-في مجرى ذلك- الحاجة بالنسبة لدعاة العلمانية الى حل مشكلات بنوية اعتراضية ذات بعد عميق في الخلفية الدينية، فان الاسلام نشا دينا في قلب السياسة، وبمعنى ما ، مطلوب من العلمانيين العراقيين تاسيس ورش بحث فكرية لصياغة علمانية محلية، يمكن ان تكون مقبولة من المجتمع باعتبارها صمام امان للسلام الاهلي وبناء دولة المواطنة.
 والآن، ليس من دون مغزى ان تكسر جماعات وتكتلات واحزاب اسلامية عراقية، في خلال التحرك المبكر نحو انتخابات 2018حاجز الحذر السياسي (وحتى الدعوي) من التعامل مع المفردة العلمانية والاستعداد للائتلاف الانتخابي مع شخصيات او فئات علمانية، ما يعني امرين، وقل تطورين، في خارطة الحراك السياسي، الاول، يكشف عن انحسار في مفاهيم التحفظ على فكرة الفصل بين الدين والسياسة وتزايد قاعدة الجمهور الذي شفي من الحساسية السياسية حيال العلمانية والعلمانيين، والثاني، النجاح النسبي(اكرر: النسبي) الذي حققه العلمانيون العراقيون طوال السنوات الست الماضية في تقديم العلمانية في صيغة (وممارسة) لا تتعارض مع الدين ولا تناهضه او تقلل من شأنه، ولا تمنع هذه الصيغة  ان يكون المرء علمانيا ومؤمنا في ذات الوقت.

كاتب المقال