لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأحد: 11 مارس، 2018

عراق الأمير

تاريخنا السياسي الحديث حافل بالعنف والعنف المضاد ونبذ الآخر . فقد أنتجت ممارسات الإقصاء السابقة وممارسات الإجتثاث اللاحقة حالة من الإنكفاء على الذات والشعور بالغبن والإحباط من جهة وأنتجت من جهة ثانية تناقضا بين الإقصاء عن الفعل السياسي والمدني ورفع شعار الديمقراطية والتعددية الذي يتمحور حول حقوق الإنسان والمجتمع الحداثي المنفتح على روح العصر ؛ إنه حقا تناقض مربك وغير مفهوم يجب تفكيكه وإعادة تركيبه بما ينسجم والمفاهيم الديمقراطية العالمية واشتراطات الواقع العراقي .

أن الشواهد والأحداث وعلى مر العصور ، أظهرت إن الرأي الآخر لا يمكن إجتثاثه لأنه يظل دائما مثل شجرة تمتد جذورها بالأرض وتكبر لتوازي شجرة التسلط لأن للأفكار أجنحة وهي تطير وتحلق لتصل الى اصحابها .

فإذا كان النظام السابق وبما يمتلكه شئنا أم أبينا من فكر قومي وطني تقدمي و بكل عنفه وقوته وجبروته قد فشل فشلا ذريعا في تحقيق النتائج المرجوة من سياسة الإقصاء وإلغاء الآخر فكيف يستطيع نظام ثيوقراطي يحمل فكرا محنطا وأدعية وتمائم منبعثة من عصور الظلام النجاح في ذلك .

لقد كانت المراهنة على سياسة الإجتثاث مراهنة خاسرة وأدت بالنتيجة إلى هدر التضحيات والزمن كما أدت الى خلط الأوراق لتنتعش سياسة تصفية الخصوم السياسيين المنافسين وهروب ومغادرة مئات الألوف من الكفائات والخبرات والأكاديميين الذين يشكلون الثروة الحقيقية للبلد .

الملفت للنظر أن نظام ما بعد الإحتلال أحدث شرطا منافيا لطبيعة الدستور الديمقراطي ولمفهوم الحرية وحقوق الإنسان بحيث يمكنه من إقصاء الخصوم حتى لو تمتعوا بجميع الحقوق المدنية رغم أن كل الدساتير في العالم تكفل لكل مواطن حق ممارسة حقوقه السياسية إذا كان يتمتع بكل حقوقه المدنية . وبهذا تكون الأحزاب الدينية المتسيدة على السلطة و بمنحة خبيثة من الحاكم المدني بول بريمر هي التي تشكل خطرا على الدولة والمجتمع قبل غيرها .

الاحزاب الدينية الفاشلة والاشخاص والكيانات الدائرة في فلكها هم الفريق المتمسك بالإجتثاث وتحشيد ثقافة الإقصاء ، وهو فريق ذو نزعة طامعة بالسلطة ويريد الإستئثار بها تنفيذا لأجندة اقليمية طامعة معروفة لجميع العراقيين . لأن الإجتثاث في تقديره يكفل له الإحتفاظ بالفرصة التي هيئها له الإحتلال مكافئة لدوره الوضيع في شرعنة سقوط بــغداد . وهذا الفريق يستخدم منهج الإقصاء كسلاح ذو حدين ، حيث يدغدغ في الحد الأول مشاعر شريحة واسعة من أبناء الشعب عانت وقاست من النظام السابق ، أما الحد الثاني في هذا السلاح ، هو ان هذا الفريق معدوم في قدراته الوطنية والإجتماعية ، لذلك يرى في منهج الإجتثاث وسيلة نموذجية للتخلص من المنافسين الذين يمثلون خطرا على الفرص الشخصية والسياسية لفريقه ، وهو فريق لا يهمه حجم الأذى والمخاطر التي يتعرض لها الناس .

وهنا لابد من القول و بالفم المليان ، إذا يوجد اليوم من الكيانات والأحزاب الدينية والمدنية ، سواء داخل العملية السياسية او خارجها ومنذ تموز سنة 1958 أي على مدى مرور ستين عام من يعتقد إنه لم يرتكب خطيئة بحق العراقيين فليرمي البعثيين بحجر الإجتثاث ، وفي هذه الحالة يكون من حق العراقيين جميعا المطالبة بفتح كافة الملفات المظلمة لتقييم التجارب والممارسات السابقة واللاحقة والحالية لجميع الأحزاب السياسية العراقية ، وتحديد المسؤوليات التي يعتقد البعض واهما إنها اقصيت بالتقادم او بقوة دَك الاحتلال .

تبقى هناك أسئلة مشروعة : هل يمكن سلب الحقوق المدنية لأي انسان من دون قضاء عادل ونزيه ؟ وهل من الحق والعدل والإنصاف والمنطق أن تمنع فئة من الشعب ليست بالصغيرة وغير مدانة جنائيا ومدنيا من مزاولة العمل السياسي في حين يسمح لمن استقوى بالأجنبي و جاء على ظهر دبابة الاحتلال ومن قبلها وقف الى جانب اعداء بلده وقاتل ضد جيش العراق بمزاولة جميع الأنشطة السياسية والمدنية ؟ ومن أولى بالإقصاء ، أغلبية البعثيين الذين لم يلحقوا الأذى بالآخرين وساهموا بجدارة في خدمة ونهضة العراق والدفاع عنه ، أم الطبقة السياسية الفاسدة التي نهبت المال العام وسبت البلاد والعباد ؟ وما هو المعيار الذي تعتمده هيئة المساءلة في محاربة البعثي العراقي ونصرة البعثي السوري وكلاهما يحملان فكرا بعثيا واحدا ؟! ولماذا لا يترك للشعب العراقي أن يمارس دوره الديمقراطي الحر في إقصاء من يشاء وتثبيت من يشاء من خلال صناديق الإنتخابات ؟

العراقيون الآن في الحاضر المخيف ، يتطلعون الى مستقبل بلا خوف ، وهذا يتطلب من جميع الحريصين على العمل الوطني ، ووحدة الشعب والأرض ، أن ينظروا إلى الواقع بعقلانية ، وان تكون المصلحة الوطنية العراقية هي المقياس الوحيد التي تنتظم عمل الجميع ، وأن هناك الكثير من الأمور التي هي من إختصاص قضاء عادل حر ونزيه ؛ ومحاربة النهج الإستئصالي المتمثل بهيئة اجتثاث البعث ( المساءلة والعدالة ) ، لأنه نفق مظلم بلا نهاية وفيه ضاع الجميع .

كاتب المقال