لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأحد: 4 فبراير، 2018

ما كان متوقعاً أن تتصرّف القوات التركية التي غزت مدينة عفرين الكردية السورية تصرّفاً آخر غير القتل والتدمير والتمثيل بجثث الضحايا، فتركيا تقودها الآن حكومة طورانية يريد الواقف على رأسها، الرئيس رجب طيب اردوغان، استعادة”أمجاد”أسلافه أبطال مجازر الأرمن وسواهم.
بعد ستة عقود من سياسة شوفينية مارستها الحكومات التركية المتعاقبة بعد انهيار الدولة العثمانية، وجد توركوت أوزال الذي تولّى رئاسة الحكومة (1983- 1989)، ثم رئاسة الجمهورية (1989- 1993) عن حزب”الوطن الأم”، أن سياسات أسلافه لم تجلب الخير والاستقرار لبلاده فدشّن مرحلة للانفتاح على سائر القوميات، وبخاصة الكرد الذين كانوا المشكلة الكبرى لتركيا بسبب التنكر لحقوقهم وانتهاج سياسات قمعية سافرة في حقهم حرمت عليهم حتى الغناء بلغتهم.
أوزال وضع أساساً راح خلفاؤه يبنون عليه وإنْ بوتيرة بطيئة. وكان حزب العدالة والتنمية أحد هؤلاء الخلفاء، وبخاصة في عهد رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية السابق عبد الله غل، بيد أن خليفة غل، أردوغان، الذي أعطى لنفسه في النهاية سلطات شبه مطلقة وراح يدير الحكم على طريقة السلاطين العثمانيين ويعيش حياتهم الباذخة، استدار بتركيا في اتّجاه مخالف.
لم يجد أوردوغان، منذ خمس سنوات، بأساً في فتح حدود تركيا أمام تنظيم داعش، فقد تحوّلت تركيا الى ممر ومستقر لعشرات الآلاف من عناصر هذا التنظيم الارهابي الذين كانوا يتصرفون كما لو أن تركيا الاردوغانية صارت المقر الرسمي لخلافتهم وقاعدتها الأساس.
أردوغان يعرف ما يريد.. انه يحلم باستعادة أيام السلطنة وبترسيمه سلطانياً عثمانياً، فكان أن تمدّد عسكرياً باتجاه العراق وسوريا، بل إنه يقوم الآن بعملية غزو منهجية لأراضٍ سورية، بذريعة مكافحة الارهاب الذي رعاه وقدّم له التسهيلات اللوجستية على مدى سنوات. وقد توجّه الآن لتصفية الحساب مع كرد سوريا الذين أقاموا سلطتهم الذاتية على أرضهم وداخل حدود بلادهم.
قوات أردوغان، كما قوات السلطنة العثمانية، لم تتورع عن البطش بالكرد السوريين، بمن فيهم السكان المدنيون، وقيام هذه القوات الغازية أخيراً بنشر شريط فيدو لعملية تمثيل بجثة إحدى المقاتلات الكرديات هي رسالة تخويف على الطريقة النازيّة وعلى طريقة داعش أيضاً، التظيم الذي ما كان له أن يكون بكامل السطوة التي ظهر بها في العراق وسوريا لولا موقف أردوغان المتواطئ معه.
داخل تركيا، فبرك أردوغان صيف العام 2016، قصة الانقلاب العسكري الفاشل لإزاحة كل المخالفين والمنافسين والمعترضين على سياساته عن طريقه، وها هو الآن يفبرك”مكافحة الارهاب”في الخارج كيما يمهّد لاجتياح الجيران وقضم أراضيهم تدريجياً.. على الطريقة النازيّة أيضاً.

كاتب المقال