لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأثنين: 19 ديسمبر، 2016

كاتبة المقال / فاتن يوسف

ما أجمل رائحة المطر في أزقته حين تمتزج مع ترابه الزكي الذي أحتضن أطهر الأجساد، هي أجساد الأجداد التي منحت لهذا التراب عنفوان وطهر وشهامة وكرامة، هل سمعتم من قبل عن تراب يفوح إباء؟ نعم هو تراب العراق، الذي أحتضن الأنبياء والصحابة وأهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي أحتضن أجساد شهداء ثورة العشرين وما تلتها من ثورات وحروب ضد المحتل الغاصب.

هذه الأرض التي لطالما كانت واحة خير تغني من حولها ومن يستغيث بها، هذه بلاد الرافدين التي أكتسبت من النهر خيره ونقاءوه وكرمه، أرض علمت أهلها كيف يكونون كرماء، فهي الزاد لمن لا زاد له، هي الملجأ لمن غادر السلام أوطانه، هذا هو تاريخ العراق الذي حاول الكثيرون محوه وإستبداله بصورة لا تمثل واقعه، هل سمعتم من قبل عن أم تهدي أبناءها لجيرانها؟ نعم هي بغداد الأم الحنون التي أرسلت أبناءها لجيرانها لكي يدافعوا عن الأرض العربية، وقبور أبناءنا في هذه البلدان تشهد.

“الشجرة المثمرة هي التي تتعرض للخراب” هكذا هو العراق، كان الهدف الأول للمؤامرة التي طالت المنطقة، مؤامرة عمرها عقود نالت من كياننا ومجتمعنا وقوتنا وأقتصادنا وحتى عقولنا وفكرنا وتاريخنا، لكن أكبر خسارة تعرض لها العراق هو النسيج الأجتماعي الموحد الذي كان يتمتع به، هذا النسيج المتنوع الذي زاد من روعة هذا البلد وجعله أغنى، فجاءت حراب الغدر ومزقته.

حروب عاشها العراق في مختلف الحقب، لم يبخل أحد من أبناءه ومن كل الطوائف بقطرة دم أو تضحية، فوهة سلاحنا كانت واحدة، فليس للمسيحي بندقية تختلف عن بندقية أخيه المسلم، فالأرض واحده والكرامة واحدة والمصير مشترك، حين جاع هذا الشعب الذي فرض عليه حصار أقتصادي بسبب سياسة رعناء، لم يكن الجوع يفرق بين شيعي أو سني أو أيزيدي، فالجميع عاش هذه المأساة، حين كانت الصواريخ الحارقة تقذف على مدننا، مصدرها أرض يقال أنها عربية مسلمة، لم يكن هذا الصاروخ يفرق بين منزل عربي أو تركماني أو كردي، وقائمة المآسي تطول بين سيارات مفخخة وأنتحاريين في أسواق تعج بالمارة من مختلف الأطياف، تصفيات جسدية طالت جميع الناس، من منا لم يسمع عن العصابات التي كانت تقوم بتصفيات من كلتا الطائفتين لخلق الفتنة وزرع الحقد؟

وهاهو داعش يأتي ليضيف مشهد دموي جديد، وأسطورة جديدة من أساطير التطرف، فمن يدعي أنه يدافع عن حقوق السنة هو من قتل أبناء السنه ودفن أجسادهم في مقابر جماعية، هو من حرق منازلهم وهدم مدنهم وشرد أبناءهم، من جاء ليهجر المسيحي والأيزيدي بحجة الدين الأسلامي، هو من جعل من المساجد مخازن سلاح ومقر لزرع الأفكار التي تعود بنا إلى زمن الجاهلية التي جاء الدين الأسلامي للقضاء عليها.

جيل كامل كان ضحية هذه المهزلة التي أدت إلى دمار بلد الحضارات، جيل تعرض لغسل للأدمغة بطريقة جعلته عاجزعن التفكير بتعقل ومنطق، لكن هذا لا يخفي دور بذرة جديدة تزرع اليوم في أرض لا تموت بها السنابل، بذرة متمثلة بأبناءها الرافضين لهذه الأفكار، وهذا ما جسده طلاب كلية الصيدلة في البصرة حين قاموا بأحتفال مشترك يجمع بين عيد مولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وولادة النبي عيسى عليه السلام، هنا نشعر أن هذه الأرض لا ينقطع ماءها، فالجامعة ليست مكان للعلم فقط،، بل هي الرحم التي تولد منه الثورات، فحين تتزين جدران كلية الصيدلة بعبارات نبذ الطائفية هذا يعني أن ثورة الحب قد أنطلقت، ونسيجنا الجميل عاد بحلة جديدة، نسيج حاكه طلبة بأعمال فردية وجاءت دكتورة علا الموسوي لتظيف له تطريز جميل يزيده روعة، فهي من شجع هؤلاء على التعبير عن ما في داخلهم، هي من فجرت طاقات كان العنف والتسلط والتفكير الرجعي يحاول قتلها، هي من أعطت مساحة لهؤلاء أن يصرخوا حتى دوت صرختهم في أرجاء الحرم الجامعي الذي شهد ويشهد مئات الأنتهاكات بحق العلم والفكر.

الشباب هم الغد، هم من يحدد مصير الشعوب، هم من يخط حروف المستقبل، وهنا يكمن دورالجامعات والمؤسسات التعليمية والمدارس، لتنمية ودعم طاقات شبابنا، فالمؤسسة العلمية هي تربوية في الوقت ذاته وعليها تقع مسؤولية تكوين شخصية الأجيال، فالتلميذ في هذا العمر يبدأ ليكون شخصيته ويبدأ نضوجه، وهنا تكون هذه المؤسسات سلاح ذو حدين، أما ان تنجح بقولبة عقولهم بشكل مثمر أو إنها تجعلهم جيل مشلول فكريا.

كاتب المقال

اقرأ ايضا