لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأثنين: 18 مارس، 2019

وليد خالد احمد

 

لا يمر يوم دون ان نصدم بمفهوم متفجر هو (تفكيك اللغة) بكل ما يحمل من الدلالات والمرجعيات والغايات. وتفكيك اللغة مفهوم ألسني بنيوي اكسبه هذا الذيوع والانتشار والديمومة النسبية، كون راعيه الاول وكاهنه الاكبر، هو المادي رولاند بارت، سيد البنيوية واب الالسنية.
فماذا يعني تفكيك اللغة؟
من خلال قراءاتي المتفرقة استطعت ان اصل الى ما يشبه اليقين حول المعنى الحقيقي لهذا المفهوم، وان اخذت الاقلام الداعية اليه المنافحة عنه بجسارة تغلف ذلك المعنى بالف غلاف وغلاف. فهو دعوة الى تحطيم قواعد اللغة واسسها من ناحيتي الشكل والمعنى، المبنى والمعنى، وتخريب النحو الذي هو جزء لا يتجزأ من المعنى.. والبحث عن معان مبتكرة جديدة كل الجدة للكلمة والدعوة الى قطع العلاقات كافة مع المدلولات السابقة والمعاني القائمة لهذا اللفظ او ذاك.. وهي دعوة جداً خطيرة بلا ريب.. فمن نتائجها المباشرة زرع البلبلة والضجيج في حياتنا كلها، وليس الفكرية واللغوية والادبية فحسب كما يظن بعض المتفائلين. وهذه النتيجة تقود المجتمع بلا ريب الى وضع تناحري فكرياً واجتماعياً وقيمياً ومن ثم تجد كل الاصوات المرفوضة فرصتها وتصل الى مرادها المرحلي وهو الحضور الفاعل في الساحة.. ورفع اصواتها النشاز التي كانت متهمة من الجميع معلنة اهدافها الحقيقية المرجاة دون ان تجد من يفرغ لها وسط هذا الضجيج وتلك الفوضى التي عمت الساحة نتيجة اختلال المعايير المعنوية والفكرية التي نشأت من حدوث البلبلة التي ادت اليها دعوة (تفكيك اللغة).
والنتيجة الاعظم التي ستؤدي اليها هذه الدعوة هي قطع جسور التواصل والتفاعل بين الانسان وماضيه، وبين الانسان ومصادره الفكرية ومكوناته العقدية وذلك في ضوء المعطيات التالية:-
الاول ـــ الدعوة المزامنة بل المرافقة لدعوة تفكيك اللغة وهي القطيعة مع الماضي، بتر كل العلاقات مع التراث بكل اشكاله وهي الدعوة التي اطلقها المستقبليون وهي شكل من اشكال الحداثة التي تمثل البنيوية الألسنية واحدة من بنيانها وهو ما يعبر عنه بـ الماضوية التي اضحت على اقلام الحداثيين ـــ ومنهم البنيويون ـــ رديفاً للتخلف والجمود (الدوغمائية).
الثاني ـــ الدعوة الى (موت المؤلف) وهي واحدة من ثوابت الالسنية البنيوية.. وقد اطلقها عالمياً اب البنيوية رولاند بارت. والقارئ الحصيف يدرك المغزى والسبب وراء هذا الاجراء. فموت المؤلف واعلان عدم صلته بالنص الذي انتجه واعتبار النص مجرد نصوص سابقة فحسب ـــ بنى متعددة ـــ انما في افكار مادية آتية من الفكر المادي الدهري، ولنا ان ندرك خطورة هذا الاجراء اذا علمنا ان (موت المؤلف) ينسحب على جميع الظواهر الانسانية.
الثالث ـــ المناداة الى لغة متحولة باعتبارها الثبات الوحيد هو التحول عند الماديين لغة لا تخضع لقاعدة او ناموس.. وهنا اتوقف قليلاً لأثير التساؤل الملح:- ما مصير المجتمع الذي لا تخضع حياته الا لقانون الفوضى والسرابية.
الرابع ـــ من خلال اطلاعنا على اطروحات تفكيك اللغة، ندرك تماماً ان قانون هذا المفهوم مناسب لأية لغة الا اللغة العربية تلك التي اتصفت بالديمومة الخارقة للعادة من خمسة عشر قرناً من الزمان، الأمر الذي يدل على خصوصيتها القرآنية الابدية بينما تنقرض غيرها في ثلاثة قرون او اقل او اكثر.. فهل ينتظر لها دعاة تفكيك اللغة هذا المصير المظلم الذي لن يكون.
مما سبق من معطيات.. نخلص الى ان اعادة تفكيك اللغة والقطيعة مع الماضي (الماضوية).. ومتوالية التحولات الدائمة، انما يبتغون من وراء هذه اللافتات قطع صلة الانسان في هذا الوطن العربي مع مستقبله، وليس ماضيه فحسب.

 

كاتب المقال

اقرأ ايضا