لنشر مقالاتكم: [email protected]
منوعات
الثلاثاء: 11 سبتمبر، 2018

اقلام

 

بعد انقطاع دام لسنوات عاد الكابتن عماد حسون، لقيادة القطار بين بغداد ومدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار، مروراً بمناطق صحراوية تنتشر فيها مقابر ودبابات وسيارات محترقة وبقايا مبان وجسور مدمرة.

وتجسد المشاهد على امتداد الرحلة التي يقوم بها حسون ومساعده يومياً، ضراوة المعارك التي دارت في تلك المناطق لطرد تنظيم “الدولة الإسلامية” داعش.

ويرتدي الرجلان زي سكك الحديد العراقية التي تأسست قبل قرن، باللونين الأبيض والأزرق، واستمرا في رفع التحدي لسنوات طويلة أعقبت دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003، عن طريق القيام بالرحلات خلال المعارك التي خاضتها القوات الأميركية في المنطقة وما أعقبها من أحداث عنف طائفي، لكن اجتياح تنظيم “الدولة الإسلامية” عام 2014، لمناطق واسعة بينها الأنبار حيث تقع الفلوجة، أدى إلى شلل حركة سكك الحديد العراقية، ووقفها في مناطق كثيرة في شمال وغرب البلاد، حيث آثار الدمار في كل مكان.

ويقول الكابتن عماد حسون “30 عاماً”، وهو يقود قطاراً صيني الصنع من طراز “دي أم يو” بسرعة لا تزيد عن مئة كيلومتر في الساعة للحفاظ على قضبان السكة التي أصلحت بجهود العاملين في القطاع: “لم أكن أتصور أن القطار سيعود يوماً ما للمرور من هنا”.

وصول أول رحلة

يستذكر رئيس مهندسي السكك في الفلوجة يوسف ثابت، قائلاً: “عندما استأنفنا العمل، كان الناس يسخرون منا، لكنهم صدقوا بعد وصول أول رحلة، والآن يطلبون زيادة عدد القطارات”.

ولا يزال مبنى محطة القطار الذي وضع فيه عدد من المقاعد البلاستيكية، مدمراً، لكن المحطة حيوية لتأمين الوصول إلى العاصمة، وهو البديل الوحيد عن الطرق المزدحمة التي تعج بالغبار ويواجه سالكوها أحياناً مفاجآت مثل منع مرور حافلات صغيرة من دون مبرر، ما يجبرها على العودة بمسافريها من حيث جاءت.

ويفضل علي أحمد “26 عاماً” الذي اعتاد ركوب حافلات لسنوات طويلة للوصول إلى جامعته في بغداد، واليوم يكمل عامه الأخير في دراسة الطب، عربة مكيفة تقطع الطريق في ساعة ونصف بدون تحمل دخان سجائر من هم حوله، حسب تعبيره.

في العربة المخصصة كمقهى، هناك لوحة تشير إلى أن الحرارة في الخارج 43، وسرعة القطار 91 كيلومتراً في الساعة، ويدخل إليها سنان ماجد “28 عاماً” وهو يحمل صندوقاً مليئاً بملابس لعرضها في متجره بالفلوجة، ويؤكد الشاب وهو يجلس بين أصدقائه، أن “القطار لا يتأخر (في الوصول)، ووقت المغادرة معروف”.

وتعتبر لمياء أحمد “38 عاماً”، وهي مُدرسة، أن التنقل بالقطار أمر جيد، وقد ركبت القطار للتوجه إلى بغداد لإكمال وثائق رسمية في دوائر حكومية ببغداد.

فيما يذكر عمر خليل “38 عاماً”، وهو حلاق، أنه متوجه إلى بغداد لشراء قطع غيار لسيارته، ويلفت إلى أن “ثمن التذكرة ألفا دينار” (حوالي 1,5 دولار)، في حين تكلف الرحلة في حافلة صغيرة ثلاثة آلاف وخمسمئة دينار (حوالي 3 دولارات) وتصل إلى عشرة آلاف دينار في سيارة الأجرة.

دمار بنسبة 90%

يتوجه القطار الذي يحمل شعار السكك الحديدية العراقية، باللونين الأحمر والأخضر، إلى الفلوجة عند الساعة 6,45 صباحاً، قاطعاً مسافة 65 كيلومتراً ليصل إلى بغداد، ليغادر بعدها عند الثالثة بعد الظهر، في جدول رحلات يتناسب مع دوام الطلبة وموظفي الدوائر الحكومية.

ويقول مدير النقل في محافظة الأنبار ذات الغالبية السنية، عبد المطلب صالح، الموجود على متن القطار، إن “معدل المسافرين 250 يومياً، بين مغادرة وواصلين”.

ويسعى العراق الذي تمتد بين مدنه ألفا كيلومتر من خطوط سكك الحديد كانت تصل عام 1940 حتى إسطنبول، إلى إحياء سكك الحديد لتؤمن وصل جميع مناطق البلاد ببعضها.

أم نائب المدير العام لسكك الحديد العراقية، طالب جواد كاظم، فيوضح أن “خط سكة الحديد من بغداد – عكاشات (قرب الحدود مع سوريا)، يعمل حتى مدينة الفلوجة فقط حالياً، فيما لم تتوقف خطوط السكك التي تصل إلى مدينة البصرة في جنوب البلاد، ومدينتي النجف وكربلاء المقدستين في الوسط، عن العمل خلال السنوات الماضية”.

وتبذل السكك الحديد حالياً جهوداً لإعادة افتتاح الخط الذي يمتد من بغداد إلى سامراء وتكريت وبيجي الواقعة في شمال بغداد.

ويشير كاظم إلى أن بلاده خصصت مبلغ 137 مليون دولار في عام 2016 لشراء 12 قطاراً جديداً من الصين، ولكن لا يزال الواقع بعيداً عن الـ72 خطاً التي كانت تعمل يومياً في العراق قبل بدء الحظر الدولي على العراق خلال عهد الرئيس المخلوع صدام حسين في التسعينيات.

وتبقى المهمة الأصعب بالنسبة للسكك الحديدية، تأمين الوصول إلى سوريا أو الموصل، المعقل الرئيسي السابق لتنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق، إذ تعرضت “محطات وسكك ومعدات وجسوره وقنوات” الخطوط المؤدية إليهما، لـ”دمار يصل إلى 90 بالمئة”، وفقاً للمسؤول.

كما تواجه عمليات إعادة تأهيل شبكة السكك الحديد معوقات أخرى، بينها تواجد أطفال بين العائلات التي تعيش في مساكن عشوائية بنيت في مواقع قرب مناطق امتداد سكك الحديد، ولا ينقطع هؤلاء الأطفال عن رمي الحجارة على القطار، ما يؤدي إلى تكسر النوافذ.

كاتب المقال