لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الخميس: 4 أبريل، 2019

وليد خالد احمد

منذ  الغزو الامريكي للعراق عام 2003، صار يتزايد الحديث عنامكانية قيام اقليم شيعي في جنوب العراق او حتى نشوء دولة شيعيةمنفصلة، ويعتقد الكثيرونولا سيما في الغرب، هناك رغبة جامحة لدىسكان جنوب العراق لخلق كيانهم السياسي الخاصوكتابنا الذينحن بصدد مراجعته تناول لاول مرة، السجل التاريخيللانفصاليةومطالب اللامركزية في جنوب العراقويوضح، ان الانفصالية فيجنوب العراق كانت من الناحية التاريخية ظاهرة هامشية، وحينكشفت مطاليبالاستقلال في الجنوب عن نفسها، فقد كان ذلك علىاساس مدني وليس على اساس طائفي.

ويتوفر المثال الافضل عليها في حركة البصرة الانفصالية فيالعشرينات من القرن الماضي التي تزعمها تحالف واسع من النخبالحضرية، شمل السّنة والشيعةواليهود والمسيحيين، ودعا الى اقامةكيان سياسي منفصل من الفاو حتى القرنة الى الشمال من البصرة،على ان هذه الحركة الانفصالية اخفقت اخفاقاً ذريعاً ولمتكن هزيمتهانتيجة عنف او اضطهاد بل نتيجة انتشار افكار الوطنية العراقية بيننخبة شباب البصرةولهذا التراث التاريخي مضامينه بالنسبة الىالنقاش السياسيالحاضر، فهو في الحقيقة يكشف ان اهم اتجاهفي التاريخ الحديث لجنوب العراق، هو الوطنية العراقية وليس سواها،والتيار المهم الآخر في جنوب بغداد هوالاقليمية على نطاق صغيركالذي ظهر في الحركة الانفصالية في العشرينات، ومن ناحية اخرىفان الفكرة التي سادت منذ عام 2005، حول الانفصالية اوالاستقلالالطائفي للشيعة من الخليج حتى بغداد لا تتطابق مع اية تجربةتاريخية.

حرص المؤلف ريدر فسر، على تناول تعقيدات الوضع السياسيالبصري بلغة حيادية، وهو الباحث العلمي الذي قدم المادة الاساسيةلمشروعه هذا ضمن بحثاكاديمي لشهادة الدكتوراه من جامعةاكسفورديهتم بالتاريخ والسياسة المقارنة، له الكثير من الكتابات حولتاريخ جنوب العراق وقضايا اللامركزية والفدرالية فيالعراقولايستطيع القارئ الا ان يثني على ما قام به المؤلف من جهد استثنائيفي مراجعة مواده ومصادره وفحص الاسس الفكرية التي تغذيهابنزاهة وحياديةمثلى تحسب له.

المؤلف في كتابه، ركز على هذا الفصل من تاريخ البصرة القريب منذاواخر العهد العثماني وبالتحديد عريضة البصرة الانفصالية التيرفعها نفر من وجهاء البصرةالى سلطات الانتداب البريطاني عام1921، متناولاً المواجهة التي حصلت بين الانفصاليين والوطنيينوبالتالي بالمفاهيم الثلاثة للعراق التي تكونت في ذلكالعهدالمفهومالثقافي للعراق، والمفهوم الجغرافي، والمفهوم القانونيوحين يحاولالكتاب اعادة ما قام به الوطنيون من خلط هذه المفاهيم ببعضها ولاسيمافي الحركة الانفصالية ذات الطابع الشيعي عام 1927، يجد انعلماء الشيعة قد انقسموا الى معتكفين هجروا السياسة وترفعوا عنالخوض فيها، وحركيين تبنوهاوانهمكوا في اهتماماتها..

ان الدعوة لانفصال الجنوب في العشرينات، لم تحظ بأي اهتمام منلدن المؤرخين الذين يكتبون عن العراق الحديثومع الاعتقاد بانالانفصالية في الجنوبتمثل تهديداً للوحدة العراقية، يكتسب هذاالالغاء دلالتهوالحركة الانفصالية في البصرة هي المظهر التاريخيالوحيد في القرن العشرين تمثل مشروع انفصالييتحدى هيمنةبغداد ويشكل حالة مثالية لدراسة كل من المطامع الاستقلالية المحلية،وكذلك القيود التي تعرضت لها فضلاً عن ذلك فهي تكون مثالاً تاريخياممتازاًللتركيز على بواعث الوطنية العراقية حين اصبحت القوىالمعارضة للانفصال تتحرك الى اقصى مدى خلال هذه الحادثة التيتمثل التحدي الجذري بالتحديد.

والمؤلف استخدم في كتابه هذا حركة البصرة الانفصالية فيالعشرينات لتفسير السبب الذي اختفت بموجبه الانفصالية الجنوبيةاختفاءً مبرماً من السياسةالعراقية طوال بقية القرن العشرين، وكيفافلحت الوطنية العراقية في الحلول محلهاوتسأل المؤلفما اذا كانهذا الانتصار الواضح للقوى الوطنية يعتبرنهائياً؟

في الوقت الحاضر تجري في الجنوب اتجاهات سياسية جديدة مثيرةلها نظائر سطحية متعددة مع ما حدث في العشرينات، فهل تمثل هذهالميول الاقليميةالاخيرة احياءً فعلياً للدعوة الاصلية لبصرة ذات وضعيةسياسية خاصة؟

حين اعلنت الانفصالية في البصرة في العشرينات من القرن الماضي،فشلت فشلاً بائساً، اذ سادت الوطنية العراقية حتى حين كانت الدولةالعراقية في اوهنحالاتها في السنوات الحاسمة بعد سقوط الدولةالعثمانية في اثناء الحرب العالمية الاولىويقتنع الباحثون الغربيونفي العادة بان الشيعة جميعا من البصرة الىبغداد، يريدون دولةفيدرالية خاصة بهمويخشى زعماء عرب كثيرون من احتمالات وجودهلال شيعي يمكن ان يهب لطهران السيطرة على مصادر النفطالواسعةفي البصرة كنوع من الدولة الشيعية الكبرى التي تهيمن علىمنطقة الخليج باسرها.

ومثلما كان الحال في العشرينات، تحظى الافكار الاستقلالية اليومفي الجنوب باهتمام كبير من لدن الغرباء الخارجيين، لكن الاشاراتتدل على ان شعبيتها لدىسكان المنطقة قد تكون اكثر محدودية فيالغالب هناك امكانية متميزة بانها ستكون اصداء للقوى الوطنيةالعراقية التي هزمت انفصالية البصرة فيالعشرينات سلمياً ودون انتكون لديها ثروة من الموارد المادية.

لقد انحصرت الانفصاليات الفاشلة حين تعرضت لكراهية المستعمرينوالوطنيين على السواء، بهوامش كتابة التاريخ، وكثيراً ما توصفمشاريع من هذا النوع فيالروايات التاريخية بانها مجرد ضجيجاجوف، اي رؤى يوتوبية لا تتحقق توقف المسيرة المتواصلة نحو مشروعبناء امة اكبرويمكن العثور على مثل هذه الميولالفكرية حتى فياعمال كتّاب لا تربطهم صلة نهائيا بالنماذج الوطنية المعينة.

كثيراً ما توقع بعض الباحثين ان يتحرر جنوب العراق من سلطة بغداد،وبنى بعضهم اراءهم على اساس عوامل تاريخية واصفين العراق بانهاختلاف حديث وهشومصطنع، وهو مجرد خليط موروث عن الولاياتالعثمانية السابقة التي تجمعت اعتباطاً بعد الحرب العالمية الاولى،وافترض آخرون ببساطة ان التعايش بينالشيعة في الجنوب والسّنةفي الوسط في دولة واحدة امر مستحيل، وان المطامح الشيعيةالانفصالية هي سمة كامنة متواترة في السياسة العراقية.

ان فحص فكرة العراق كتكوين حديث تعتبر اليوم واجباً ضرورياً مادام البرهان على اصطناعية البلاد نادراً ما يستدعي للمساءلة وماان يترسخ مفهوم الاصطناعحتى تظهر في الغالب الاستنتاجاتالمتعلقة بالنزعات الانفصالية المتوسطة لدى الشيعة في الجنوب دوناية مناقشة متأتية.. ويعِّير حتى مؤلفو بعض احداثالتأويلات واكثرهاتوازناً للتاريخ العراقي عن درجة الارتياب في الايحاء بان هناك هويةعراقية يمكن ان يعود تاريخها الى ما قبل الاحتلال البريطاني عام1914.

ان اغلب الدراسات التي تهتم نقدياً بهوية الاراضي في عراق القرنالعشرين، لا تضفي على البصرة سوى وجود شبحيوغالباً ما يسلمالكتّاب الذين ينطلقون منموقف بنائي خصوصية البصرة عائدينللنموذج التبسطي ولكن غير الصحيح تماماً عن بصرة شيعية وبغدادسنية وموصل كردية، واحيانا يحدسون وجودخصومات اقليميةمحصنة فقط على اساس هذه الاداة التحليلية.

والحقيقة، ان ولاية بغداد العثمانية كانت تضم اربع مدن مقدسة شيعيةبالاضافة الى اكثر العشائر في منطقة الفرات الاوسط مما يتركالفكرة القائلة بان البصرةهي المعقل الرئيس للتشيع في هذه الفترة،فكرة يتعذر الدفاع عنها تماماًومن ناحية اخرى تغيب الحركةالانفصالية التي تجسدت في البصرة عام 1921، غياباًملحوظاً عنهذه التحليلات، والحقيقة انها تركته ولم يشعر بها ابداً الكتّاب ذووالنزعات الوطنية والبنائية ونزعات المراجعات على السواء.

واذا سلمنا بالتوتر بين مختلف التأويلات لظهور العراق باعتبارهمفهوماً عن الهوية الوطنية، فان اهمال حركة سياسية محلية اصيلةذات برنامج مضاد للعراق يمثلثغرة تاريخية حقيقية بالذات، لان هذهالحركة بقيت معادية للوحدة مع بغداد طوال العشرينات لتنهار فجأةوتختفي دون ان يلاحظها احدوبهذا المعنى تلقي النزعةالانفصاليةلدى البصرة من خلال قصة انحطاطها ضوءاً على واحد من اهمانجازات الوطنية العراقية ادهاشاً.

ظهرت اول بوادر الحركة الانفصالية البصراوية خلال اجتماع بينبرسي كوكس واثنين من كبار التجار من ملاك الاراضي في المدينةهما احمد الصانع وعبد اللطيفالمنديل في 7/ نيسان/ 1921. وقدطالب البصراويان في المقابلة بأدارة منفصلة للبصرة تحت الحكمالبريطاني المباشر، وزعما ان البصرة مدينة تجارية ذاتمصالحتختلف عن مصالح بغدادوقد اعربا عن مخاوفهما بأن يكون حكمبغداد بلوى اسواء من بلوى النظام العثمانيوفي الوقت نفسه بدأتتصل شبكةالاستخبارات البريطانية شائعات، بان عريضة قيدالاعداد تطالب بانهاء النفوذ العربي في الادارة المحلية واعادة تأسيسنظام بريطاني خالص يمتد من الفاو الىالقرنة.

وفي ايار رفع عبد اللطيف المنديل واحمد الصانع عريضة للمندوبالسامي يطلبان فيها الحكم البريطاني مساعدتهم في تنفيذ هذاالمشروعوقد اقر المسؤولونالبريطانيون رسمياً بوجود حركة انفصاليةبينما في الوقت نفسه اوعزوا فيه للصحف المحلية ان تعيد نشر خطبةمناصرة لفيصل القاها تشرشل في مجلس النوابمندداً فيهابالمخططات التي تتحدى رؤية المملكة المتحدة، وقد ورد فيها ذكرالبصرة بالتحديد.

وفي 20/ حزيران قدم العريضة رسمياً الى المندوب السامي وفد يتكونمن ستة اشخاص سافروا الى بغداد من البصرةكانت العريضةتنطوي على عنصرين:

الاولتقديم الحجج لدعم دعوة البصرة في المعاملة الخاصة وتشملهذه الحجج المناخ المؤيد للبريطانيين في البصرة منذ الاحتلال عام1914، وعدم وجود اخلالبالامن في المنطقة خلال ثورة 1920 والموقعالخاص للبصرة كميناء دولي منفتح ذي طبيعة تجارية قوية، والاعتقادبان تقدم البصرة سيكون مخالفاً في نوعهوسرعته لتقدم العراقوكانت هذه الاحوال تعني ان اهالي البصرة يجب النظر اليهم بوصفهمفئة الاقلية بين سكان المناطق الخاضعة للسيطرة البريطانية ولاتوجداية اشارات الى اي تراث تاريخي او ديني او عرقي بمعزل عن وضعالبصرة كمنطقة منفتحة عالمياً.

ثانياًقدمت العريضة مخططاً لاستقلال سياسي منفصل للبصرة،ويعتمد هذا في الجوهر على صيغة اتحادية حيث توضع ولايتا العراقوالبصرة المتحدتان تحتالوصاية البريطانية ويحكمها امير عربي اواي حاكم ينتخبه اهالي العراق وفق اجراءات لم يرد لها تحديدعلى انالجزء الاكبر من العريضة كان يهتم بقضايا الحكومةالتي يجبفصلها عن السلطة الاتحادية وتفويضها بدلاً من ذلك الى الحكومةالمحليةتسمية حاكم محلي يعينه حاكم الولايتين المتحدتين من بينثلاثة افرادينتخبهم مجلس البصرة وقضايا الدفاع والامن الداخليحيث للبصرة جيشها الخاص وقوة من رجال الشرطة خاصة بها،وكذلك قضايا التشريع ونظام الضرائب،فللبصرة مجلس تشريعيمنفصل يسيطر على المداخل المحليةويجب حصر الوظائف الحكوميةالمسندة للسلطات الاتحادية بالانظمة المشتركة للبريد والبرقوالنقودوالمقاييس والاوزان وسكك الحديد وطرق الملاحة الداخلية والخدمةالدبلوماسية في الخارج ومسؤوليات الاشتراك في دفع الغاراتالخارجية والدفاع عنالبلد، ولم تتضمن العريضة اية مطالبة بوضعيةخاصة للغة العربية ولا الدور العربي في الادارة كما لم يتم تعيينصدور الدويلة المقترحة للبصرة برغم ان المنطقةالممتدة من الفاو الىالقرنة حصراً كانت تفهم باعتبارها المنطقة المستهدفة بالحكم الخاص.

كان نظام الحكومة المقترح يؤكد على الانفصال بين العراق والبصرةاكثر من تأكيده على وحدتهما، وقد ذهب باتجاه اللامركزية الجذريةاكثر من مخطط الحكومةالمحلية الذي كان يتطلع اليه بعض البصريينقبل الحرب الاولى.

ان غالبية كبار اهالي البصرة كانوا ينحازون للعريضة، وصارت توصف الحركة الانفصالية باستمرار، بانها التيار السياسي المحليالاكثر شعبية ولم يستطعالمستشار البريطاني للبصرة ان يذكرسوى شخصيتين اثنتين فقط لم يوقعا على الوثيقة التي تدعوللانفصال، وقد اخبر برسي كوكس لندن، انه برغم وجود عريضةمقابلةتحمل 1500 توقيع فان جميع الافراد ممن لهم وزن من الناحية العمليةيقفون الى جانب الانفصاليينواعتقدت المس بيل ان العريضة تحظىبدعم التجاروالملاك المتنفذين عملياً وبعد سنة واحدة من تقديممطاليب البصرة نشرت الصحافة الوطنية في بغداد عدة مقالات تناولتالظروف المحيطة بالمشروعووصفت العريضة بانها في جوهرها مجردعملية احتيال اذ لم يعرف الغرض الحقيقي من هدف الانفصال سوىسبعة اشخاص ولم يكن على دراية بمحتوياتهاالدقيقة سوى اثنينفقط، وينحدر هؤلاء الرجال السبعة من النخبة التقليدية للمدينةامااهل المدينة الاميون فقد خدعوا او اجبروا على توقيع العريضةوقدوصفت بالمقابل خصوم المشروع بانهم احرار المدينة اي مفكروهاالاحرار.

ان حركة خلق كيان سياسي منفصل في البصرة اخفقت لان الاحتمالالذي وجد لم يشتغل فلم يكن الفشل بسبب الافتقار الى الموارد المادية،لان داعميالمشروع كانوا ينتمون الى جماعات اجتماعية مهيمنة فيالبصرة فرضوا سيطرتهم على التجارة المزدهرة للمدينة، وكذلك علىالاراضي الزراعية التي امتازتبانتاجيتها الزراعية العالية، وكذلك لميأت الفشل نتيجة قمع مارسه بريطانيون عليهموبرغم ان كبار صناعالقرار السياسي البريطاني كانوا يضمرون العداء لرؤىانفصاليالبصرة، فان معارضتهم للمشروع كانت تلطفها معرفتهم بالموقفالداعم لبريطانيا وراءه وكثيراً ما وضعت كبار الشخصيات في الادارةالبريطانية فيالعراق وفي لندن ايضاً نصب اعينها امكانية انسحاببريطاني محتمل الى رأس الخليج العربي حتى بعد ان تلاشت الحركةالانفصالية وكذلك لم يتحطم مخططالانفصال على يد النظام العراقيالجديد الذي اقامته بريطانيا على العكس من ذلك اتخذ هذا النظامموقفاً سلبياً جداً في مواجهة المشهد السياسي المحلي فيالبصرةفي اثناء النصف الاول من العشرينات واستمرت هيمنة المحرضينالذين كانوا يدعمون المطاليب الانفصالية لبعض الوقت.

بل يكمن السبب الرئيس للفشل الانفصالي في الخيارات الاستراتيجيةالتي تبنتها النخبة الاجتماعية وراء المشروعفبعد ان خاضوا حركتهممن منطلق مدينيمنفتح عالمياً وعلماني بعريضة تطالب بنظامسياسي خاص ركن الزعماء الانفصاليون الى السلبيةفلم يطوروااحلامهم في المخطط لكي تتوافق مع التدابيرالفعلية للسياسة العمليةاخفقوا في ان يثيروا الحماس الشعبي لتصورهم عن المستقبل المثاليللبصرة، ولم يفعلوا شيئاً يذكر لتوسيع التحالف وراء المخطط.

وكنتيجة لهذه السلبية تمكن المدافعون عن الرؤى المنافسة من فرضسيطرتهم على المسرح السياسيوكانت الطاقة السياسية للسكانالمحليين تصب بالنتيجةفي عدة اتجاهات مختلفةحاولت بعضالجماعات ان تقيم اطراً محلية اضيق بتقسيم منطقة البصرة نفسهاالى اقسام اخرى، وبحث اخرون عن انصار في اماكناخرى فيالمنطقة بما فيها طهران والرياض والمدن المقدسة عند الشيعة ولا سيمافي النجف وكربلاء، بينما اكدت فئة ثالثة ممن تحدوهم على الروابطمعالعاصمة العراقية الجديدة في بغدادولكن لم ير اي من هذهالمشاريع في مدينة الميناء ومنطقتيها الخلفية المباشرة نقطة مثاليةللتركيز على جماعة سياسية.وهكذا تهشمت النظرات السياسيةللاقطاب الاقوياء الذين يدعمون الرؤية الانفصالية بالتدريج برغمالعوامل المادية التي تعمل لصالحهم.

ولم ينبثق المشروع الانفصالي الشيعي الطائفي الخالص في الجنوبحتى عام 1927، وسرعان ما اثبتت انه لا يقل عدم فاعليته عن حركةالحكم الذاتي التيتأطرت بالفاظ مدنية منفتحة كوزوموبوليتية ولكنلاسباب مختلفةولم يتردد الزعماء الشيعة في نقل افكارهم الىالميدان العام وتمكنوا من دعم مطاليبهمبرمزية قويةلكن مشكلتهمكانت كانت تكمن في موقفهم كنخبة داخل الطائفة الشيعية.

بالتأكيد كانوا شباباً واصحاب افكار ابداعية غير ان موقعهم فيالتراتب الشيعي المدرسي كان متواضعاً في الاغلبفهيمنت مثل عليااخرى اكثر رسوخا في النظاملان نزعة الاعتكاف عن السياسةوالنزعة المعارضة للطائفية اللتين مارسهما كبار العلماء كانتا قد غلبتاعلى التقاليد السائدة في الفكر السياسي الشيعي، ولم يكنفيهاتين النزعتين خزين فكري يمكن ان تستمد منه وتبني عليهالانفصاليات الطائفية، ولذلك سرعان ما انقلبت الحركة السياسيةالشيعية في فترة الحرب الىبرنامج غير اقليمي تاركة للآخرين انيحددوا الاطار الجغرافي للسياسة المحلية.

وبالنتيجة كان الوطنيون العراقيون اكثر منافسي انفصالية البصرةفاعليةولم يكن تحقيق هذه البروز في المواقف قدراً محتوماً، فقد كانتالبصرة قبل الحربالعالمية الاولى محوراً يربط الهند وجزيرة العربوفارس بالمقاطعات العثمانية الداخلية وتضم شبكة مواطنيها سكاناًمن جميع هذه المناطقوكانت الروابطالمناطقية بالمحمرة والكويت لاتقل قوة عن الروابط ببغداد في ذلك الوقتومن ناحية اخرى فان الزعمالمتكرر بان العراق لم يكن يوجد على الاطلاق في الازمنةالعثمانيةالاخيرة مما لا يمكن الدفاع عنه ايضاً، لانه كان يوجد فعلاً على الاقلفي اذهان بعض البصريين الذين فهموا منه المنطقة التي تمتد منالخليج حتىالحدود الشمالية لولاية بغداد العثمانية.

لقد تمكن هذا الجيل الجديد من المثقفين الذين يصدرون عن خلفية منالطبقة الوسطى او الدنيا في الاغلب من فرض رؤيتهم حول الاراضيالعراقية في البصرةفي سنوات الانتداب الانتقالية الحاسمةواذ كانوامعروفين بتنبؤ سلم المناصب الادارية في مناطق شمال المدينةالخليجية، فقد بذلوا وسعهم في العشريناتلترقية جماعة سياسيةاكبر تتناغم مع منطقة نشاطهم الجغرافية في اثناء الحقبة العثمانيةرابطين البصرة ببغداد وما وراءها من المناطقوقد تمت تصفيةمفهومالعراق الموحد بالتدريج من خلال الصفوف الدراسية والصحفوفعاليات التنظيمات الطوعية وفي المبادئ الاولى للجمعيات السياسيةوكان الاثر التراكميلهذه الجهود في الميدان العام الذي ساعدت عليهعطالة الانفصاليين مساعدة كبيرة من الفخامة بحيث ان اغلب البدائلالمناطقية حين استقل العراق عام 1932كان قد تم ركنها على الجانبفي الاجزاء الجنوبية من البلاد، وكان هذا انجازاً ملحوظاً لكونالنقاش ظل ذا طبيعة مفتوحة النهاية لمدة عقد وعلى الرغم منالوسائلالاقتصادية المحدودة التي توفرت تحت تصرف الوطنيين العراقيينالشبابوالموضع الذي تمكنوا فيه من كسر شوكة وجهاء البصرةالاثرياء واقنعواعلماء الشيعة فيما بعد في الوقوف الى جانبهم هوالميدان العملي لبناء وطنيات جديدة . ولقد كان على انتصارهم انيمارس اثراً باقياً في السياسة العراقية دامبقية القرن العشرين ومازال يمارس فعله حتى اليوم اذ شرع العراقيون ببناء نظام ديمقراطيجديد للمستقبل.

ان المبادرات الانفصالية الفاشلة جم غفير في التاريخ الدولي للقرنالعشرينوقد تمكن عدد كبير من هذه الحركات الانشقاقية المجهضةمن البقاء بعد انطفائهاكمعارضة سرية او في المنفى ترعاها بعضالقوى الاقليمية التي تجدها مقيدة لها او في المدن الكبرى البعيدةالتي تتقبل افكارها وعادت كثير من الانفصالياتالهاجعة الى الحياةخلال التسعينات حين سهلت وسائل الاتصال الحديثة من ايصالوجهات نظر الاقليات.

اما الجماعات الفرعية الاصغر ذات النزعات الانفصالية الفاشلة فهيالمخططات التي اختفت اختفاءاً كاملاً عن سياسة الدولة التي توجهتضدها ولم تبدر عنها ايةمبادرة انبعاث حتى خلال مراحل الاضطرابالشعبي الجذري، في مثل هذه الحالات تنطفئ شعلات الانفصاليةالتي غالباً ما ينظر لها كسلاح كلي القدرة في ايدينخب اجتماعيةمستعدة لاستغلالها دون ان تترك حتى ولا جذوة خابيةوقد لا يتمالقضاء على نظرات الوجود السياسي المنفصل لكنها بالتأكيد تمسحمن الميدانالعاموالجوانب المثيرة في مثل هذه الامثلة هي اولاً مايمكن ان توضحه عن القيود والعوائق التي تواجه النخب التي تسعىالى اعادة رسم المشهد السياسيفي دعوة لتثبيت حدود وهوياتجديدة وثانيا البصائر التي تقدمها حول قضية الكيفية التي تحرز بهاالانتصار المتنافسون من حملة الايديولوجيات التي تشير الىمدياتوطنية اكبر وهو انتصار غالباً ما يصل الى حد التأسيس لاحتكارحقيقي.

ان مظاهر التيار الانفصالي في الجنوب كانت ذات نتائج ضعيفةوقياساً بالمناطق الشمالية من العراق حيث تكرر ظهور الانفصالية اواطلاق الدعوات القائلةبنموذج دولة اقل مركزية على الشائعات غيرالمؤكدة وهو نموذج استمر منذ استقلال العراق عام 1932 حتى سقوطنظام البعث عام 2003، وبرغم عقود منالضغط السياسي المتطرف لمتتبلور مشاريع محددة للانفصال الاقليمي ولم يتجسد مخطط مثل هذااثناء السنوات الثمان الطويلة مع ايران، وكانت الانتفاضةضد النظامبعد حرب الخليج الثانية عام 1991 كهدف الى السيطرة الشاملة علىالدولة العراقية باسرها وليس عزل الجنوب وخلال الاعداد لحرب العراقعام 2003برز شيعة الجنوب على انهم من بين اكثر النقاد حتىلمشروع محدود لاستقلالية مناطقهم بصورة اجراءات فدراليةصحيحان نظام البعث كان يستخدم الانفصاليةفي الجنوب شعاراً لتبريرسياساته القمعية في المنطقة وبين الحين والاخر كان الغربيون يدعونلتدخل اجنبي لتقسيم العراق معتقدين ان التوتر السياسي يمكنانيقل ببتر الجنوب والشمال عن بغداد لكن سكان المنطقة انفسهم لميظهروا اهتماماً يذكر بمثل هذه المشاريع.

المؤلف، حين بدأ بدراسة تاريخ انفصالية البصرة توقع انه سيكونمحاولة لخلق دولة شيعية منعزلةولكن ما كان ابعده عن ذلك وسرعانما ظهر ان حركة انفصالالبصرة في فترة الانتداب البريطاني كانيقودها تحالف اقليمي متعدد الطوائف وكانت تهدف الى اقامة دولةخليجية صغيرة وليس الى دولة شيعية تمتد منالبصرة الى بغدادوحين تجسدت في عام 1927 حركة انفصال شيعية اصيلة لاول وآخرمرة في التاريخ العراقي كانت من الناحية العملية محدودة بمجموعةصغيرةمن السياسيين في بغداد والنجف واختفت هي ايضاً فيغضون سنة من ظهورها.. وشهدت اتجاهات مماثلة منذ عام 2003،فلقد كانت المبادرة الفدرالية جنوببغداد اقليمية لا طائفية وارادت خلقوحدة فدرالية على نطاق صغير محدودة باقصى الجنوب بالبصرةنفسها وربما محافظة او اثنين من المحافظات المجاورة لها.ولم يخصاحد في مخطط فدرالي طائفي الا مؤخراً في اب/ 2005 وفي بواكيرعام 2007، ما زال هذا المشروع يكافح لكي يصير ذا فاعلية خارجقاعدة دعمهالاساسي في النجف وبغداد.

ولكون جهد البصرة الانفصالي في العشرينات شهد الفشل والاخفاقفان تاريخها يجب ان يقدم الكثير من العبر لاقليميَّ الجنوب العراقياليوم وبالتحديد هناكمعرفة متبصرة بحاجة البصرة الى نقل تميزهاودعاواها الخاصة الى المجتمع العراقي الاكبروتبرز الحاجة الىالتمثيل والحوار والحلول المؤسساتية التي تستطيع انتبدد المخاوفعلى كلا الجانبين كأولوية اولى، اذ لفترة طويلة ظل الوطنيون العراقيونالمتحمسون يخشون تاريخ حركة انفصال البصرة واليوم بعد 9/ نيسان/ 2003 يستطيع هذا التاريخ ان يسهم في تطوير العلاقاتالطيبة بين البصرة وبغداد والنجف وبقية انحاء العراق في اطارعراقي موحد.

كاتب المقال