لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الثلاثاء: 18 أبريل، 2017

كـاتب المقـال /  قحطان اليابس

 

 

قد صدق الذين اشغلوا الفكر فادركوا الحقيقة ثم القوا بالحجة فحدّثوا وباعلى اصواتهم فأسمعت كلماتهم من به غفلة عن امره بلا خوف ولا تردد بان العراقيين ليسوا رجال دولة ولا بناة لها وتلك المصاديق لا يعلمها الا اصحاب العقول الراجحة المتبصرة الذين عندهم علم بالعمق التاريخي والحضاري لشعب سكن ارض السواد الساخطة وبالبنية التأسيسية التي اخرجت بلد اسمه العراق قبل عشرة عقود غامضة والتي اعتمدت على ثلاث قواعد ارتكازية سلطوية كانت السبب في تحجيم نهوض اي دولة بالمعنى التكويني لها واول تلك القواعد هي السلطة الدينية المتمثلة بالعمامة بشقيها الخلفائي والولائي والسلطة العشائرية المتمثلة بالعقال واصولها الجاهلية الاولى والأدلجة القومية منها والمستوردة الهجينة؛ كل هذا الخليط والمعجون هو السبب الذي يمكن به تفسير لماذا لم ينتج العراق دولة مؤسساتية ينطلق فكرها من قواعد قانونية تحتوي الجميع ضمن دولة لامركزية؛ حيث عملت تلك السلطات وعلى مر العقود الماضية على استنزاف ثروات البلاد واستغرقت في نهب مقدراته على اثر حروب ونزاعات وانقلابات كانت السبب في الاستحواذ على الاقتصاد وجعله ملكا شرعيا بيدها فتنامت الى حدود غير مسبوقة فاعقبتها تنامي ظاهرة الافراط والتحشيد الديني والقبلي والسياسي فانتجت لنا رموزا تدير سلطاتها بلا رقابة وبلا مسائلة وهي قاب قوسين او ادنى من الاحاطة بكل شئ وهم في ذلك درجات كلٌ حسب توصيفه وتعريفه ونسبه وحجمه؛ ولا نعرف مالذي يميز هذه الرموز عن العالمين أهي اصول الفقه الذي نحن به جاهلون او هو نسب يرجع الى ما مضى من القرون ام عقال يتوارثه الذين بيدهم الحل والربط من الفصّالين او هو معارضة وطلب على السلطة اسموه جهادا فكانوا من المجاهدين فأنجر اليهم من الناعقين والتابعين والمقلدين والمرجعيين وغيرهم من المؤدلجين فامتلئت الشوارع والتقاطعات بما رحبت بالشعارات والرايات والصور ولكن اين ما كان منها واين الطواغيت من عهد السابقين؟ .

الدين ليس فكرا منهجيا ولا علما تطبيقيا ولا عملا انتاجيا وهو يعتمد في اصوله على الاعتقاد والاجتهاد والايمان وكلها تراكيب ظنية لذلك تشعب الى مذاهب وحركات ومسميات بغية التنويع السلطوي السياسي ليس الا وقد أبعد البحث العلمي العقلي عن نهجه لانه يعتقد بان البحث التشريعي الاجتهادي اعظم منزلة واكثر تبجيلا وتعظيما وتقديسا وسمى الجمهور الذي يتبع ذلك بالشارع المقدس وما لا يعلمه الغافلون ان كل ما يجري عليهم هو تحييد وابلاس العقل وتجهيله وعلى الفرد الاجتماعي ان ياخذ بمبدأ التوازن بين الدين الذي يعتقد به والعقل الذي يفكر به والعمل الذي يقوم به؛ واغلب العلماء من رجال الدين والمجتهدين والقائمين عليه قد افرطوا وبشدة في التعاطي مع الموروث بشكل متطرف مرة وبشكل ساذج مرة اخرى ولكن مع الاسف فان العقول الشعبوية سهلة الاختراق وتنقاد وهي مسلمة بالقضاء والقدر تحت العباءات المقدسة التي جعلوها رموزا علمائية وشخصية تدافع عنها حد القتال في سبيلها؛ ولكن في تساؤل بسيط ما الذي انتجته تلك الرموز من العلوم المادية او الفكريه هل تخلصنا من الفقر مثلا او اصبح المجتمع مثاليا في القيم الاخلاقية والحضارية او انتجنا السلع التكنولوجية؟ لا شئ تماما فقد ابتعدت عن التحديث وتعمقت في التاويل والتفسير في الموروث العقيم وافرطت في التكرار ولعل هذا هو مطلب الجمهور الجاهل البليد؛ ولذلك فشلت في ايجاد مشروع او برنامج واضح لمواكبة اي تطور يأتي من الغرب فنصبت له العداء فاطلقت الشعارات المتهالكة الفارغة من محتواها (كلا .. كلا .. امريكا) و (الشيطان الاكبر) وكلنا تماما نعرف انها تستخدم المنتجات الامريكية من الهواتف النقالة والسيارات المدرعة الفارهة ولا ادري لما لا يعي العامة ذلك الا لانهم عبيد اصنامهم صاغرين؛ وبالطبع فان كثرة الرموز سيتبعه تصارع على السلطة ورفع الرايات المختلفة للتميّز عن بعضها البعض فتزداد الرموز اضعافا مضاعفة وتزداد معها الرايات بالوانها الفاقعة والصور القدسية بابعادها الخانعة وكل حسب المرجعية التي تدعمه والتي يدين لها بالبيعة بدون ان يكون هناك مشروع انتاجي على خط مستقيم . والرموز العشائرية وراياتها العديدة المديدة قد تعاظمت بدورها في ظل انعدام الدولة بمفهومها القانوني وهي تعي تماما بان لها دور في تعضيد السلطة الدينية ورموزها والسلطة السياسية وطلابها كما علمنا التاريخ عنها كيف تالفت وباسم الدين والسلطة والخلافة فغزت وغنمت لذا نرى الرموز الدينية والسياسية وهم يعقدون المؤتمرات العشائرية وليس العلمية او الاقتصادية او الزراعية او الصناعية وتخرج منها بلا برنامج ولا حتى رؤية تمهد على الاقل للتخطيط لمستقبل قريب انما تعقد المؤتمرات لغرض تجديد التأييد والبيعة والعهد في مقابل تنازلات عقارية او مادية او مناصب في العملية السياسية القادمة وما خفي عنا كان بلاء عظيم؛ والمؤدلجون والقوميون هم لعنة سياسية ابتلى بها العراقيون على مدى تاريخة المعدوم ولهم من الشعارات والتسميات ما لايعد ولا يحصى (يا عمال العالم اتحدوا) و (امة عربية واحدة) وفي مقابلها (الدولة الكردية الموعودة) وهم عالة فكرية تعبوية على المجتمع ويدورون في فلك التنظير ومفاهيم النظريات التي اصبحت غبار عالق في اذهانهم حصرا وحالهم في ذلك كحال الاسلام السياسي الذي حول الاسلام الى سياسة وهم يحولون الايديولوجية والقومية وغيرها الى سياسة وكلاهما لا يقدم خطابا شعبيا واضحا وصريحا وما اكثر تجاربهم الخائبة من التهادن مع المسميات الاخرى التي تحالفوا معها وما صفهم اليوم مع الاسلام السياسي من المتظاهرين وما يجري وما جرى من تحالفات خلف الحواجب الا دليل على ذلك يقين ولو اتيحت لهم الفرصة لرفعوا الشعارات والصور والرايات كما كانوا يفعلون .

المشروع الاخطر في التغيير هي تلك الرموز وكيف يمكن الحد من مشاريعها الخارجية وكيف يمكن التعامل مع السلطات التي تقبع بظلها امنة مطمئنة وهم في رعايتها الشرعية راضية مرضية وقد منحتهم العصمة السياسية بعد العصمة الدينية وكيف يمكن الوقوف والاستدراك بوجه التحشيد الشعبوي واغراق الجمهور بالمقدسات وتعطيل حركة الفكر العلمية

والتنويرية ومحاولة جر طلابها الى جماعات متناحرة بيدها السلاح مؤتمرة بما ينطق عن الهوى من سيدها ومولاها فتتحرك وهي مدركة بان لا احد قادر على ايقافها وانها تستطيع ان تستولي وتحاصر ما تراه يهدد أمن سيدها المصلح او الامين او الضرورة او الحكيم والقاب باتت معروفة بالاسم الصريح لا يخافون من الاعلان عن الانتماء لولاتهم صاغرين والاخطر من ذلك هو كيف يكون دورها وهي تجتمع على المرحلة القادمة بمخطط قريب سقيم وكيف ستُخضع الافراد المعارضين وكيف ستؤسس محاكم التفتيش لغرض الاستجواب والتحقيق الظليم لكل من تسول له نفسة بانتقادهم في الجهر والعلن ولا راد لهم ولا صاد فيما يبغون فهم في سلطاتهم قادمون يتقاسمون الادوار من لدن وليهم الفقيه العظيم يزايدون ويصادرون اي انجاز ليجعلوه نمطا علينا مستديم فلولاهم لهلك العراق وشعبه الخائب المستكين؛ وكل ما يخرجون من حديث بانهم باقون في كل جنب ومكان وان ذلك ما هو الا ردة فعل على فعل فذلك هو الوهم الغاشم الاثيم فالانسان المتنور لا يخضع الى قاعدة علمية تخص المادة والحركة ولا يمكن باي حال من الاحوال التكهن والتحكم بردود الفعل المكبوتة اذا ما غضبت حتى وان كانت ضعيفه ومبعثرة فهي التي تهز العروش هزا لتسقط بعدها العروش على التوالي حسب القاعدة التاريخية التي اطاحت بعروش المتسلطين ولو رفع الحجاب وانكشف الغطاء على الملأ من العامة لأنقلبوا على اعقابهم انقلاب لا يعلم حدوده الا المتنورين وها قد بدا الخوف والرعب واضح على الوجوه وبين ثنيات الخطاب بان هناك مؤامرت هدامة ناعمة وما حصل من جرأة غير مسبوقة في رفض ظاهرة الرموز وما يتبعها من الرايات والصور الا بداية لثورة ناعمة وانقلاب فكري جوهري على الانماط التي جعلت العراق تحت رحمة الرموز والرايات والصور.

 

كاتب المقال