لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأربعاء: 11 أكتوبر، 2017

 

بقلم: إبراهيم الزبيدي

مبكرا، وبالتحديد في عام 1994، بدأ قادة المعارضة العراقية الأميركية والإيرانية والسورية بالتبشير بمشروع الـدولة الفيدرالية التي أرادها المتحالفون الأكراد والإسلاميون ورفاق أحمد الجلبي بين إقليمين، عربي وكردي، وعلى أساس قومي، وليس على أساس إداري بإقليمين أو بعدة أقاليم.

وكان أن تداول عدد من المثقفين العراقيين المستقلين غير المنضوين تحت أي من أجنحة تلك المعارضة، واتخذوا موقفا رافضا لذلك المشروع الذي رأوا أنه مغشوش ولن يكتب له النجاح، وسيدفع العراقيون ثمن فشله باهظا من دم ودموع.

وقد نشرتُ في صحيفة الحياة اللندنية، في أغسطس 1994، مقالا ألخص فيه ذلك الموقف، وأبين مواضع الخلل والشبهة في المشروع، وعرضت البديل المقترح الذي كنا متأكدين من أن دعاة تلك الفيدرالية سيبغضونه، وسيرسلونه وأصحابه إلى الجحيم، وسيُعينهم عليه وعلينا أولياء أمورهم الأميركان والإيرانيون، دون شك. أما مآخذنا عليه فتتركز في ثلاث نقاط.

– كونه عقد شراكة مغلقة بين فريقين من السياسيين المشكوك في ذممهم الوطنية، والمجاهرين بتعصبهم القومي والطائفي، علنا دون خوف ولا حياء.

– ثم إنه تمهيد لانفصال مبيَّت، لأن الإقليم، في واقعه المرئي والملموس، شبهُ مستقل، ولا يحتاج إلى شرعنة ولا مباركة من أحد، إلا إذا كان هدف السياسيين الأكراد هو استنزاف الدولة العراقية، مرحليا، تحت خيمة المحاصصة (الفيدرالية)، والاستفادة القصوى من إمكاناتها العسكرية والمدنية لتثبيت قوائم دولة أحزابهم في كردستان العراق.

– خصوصا وأن سلوك أصحاب المشروع وخطاباتهم وأدبياتهم وتصرفاتهم مع المعارضين المستقلين ينبئ بالنية المبيتة لاحتكار السلطة واقتسامها وفرض سلطتهم بقوة المال والسلاح والدعم الخارجي، على الشعب العراقي. (بيني وبينك ضيعناها). فيسكت الإسلاميون عما يفعله الحزبان لا في كردستان وحدها بل في الدولة العراقية ذاتها، دون رقيب ولا حسيب، مقابل سكوت الأكراد عن عبث الحلفاء الإسلاميين بمقدرات العراقيين وفسادهم وعدم الاعتراض على وضع العراق تحت خيمة الولي الفقيه.

بالمقابل طرحنا صيغة فيدرالية أخرى تقوم على أساس أقاليم مستقلة، إداريا، عن المركز، وعلى الشكل التالي:

1- إقليم كرستان (أربيل، السليمانية، دهوك، وأجزاء من محافظتي الموصل وكركوك).

2- إقليم كركوك وديالى.

3- إقليم الموصل (ويضم أيضا محافظة صلاح الدين).

4- إقليم بغداد.

5- إقليم الأنبار.

6- إقليم العتبات المقدسة، كربلاء والنجف الأشرف.

7- إقليم الحلة، الديوانية.

8- إقليم واسط، ميسان.

9- إقليم ذي قار، المثنى.

10- إقليم البصرة.

ويومها حمل على مشروعنا، بشدة، وعاظُ الحزبين الكردييْن وحزب الدعوة ومجلس الحكيم وجماعة أحمد الجلبي، واتهمونا بالتشويش على “وطنية” المعارضة بتسخيف الفيدرالية، وتسطيحها وتشويه جوهرها الذي لن يُصلحَ العراق سواه.

نهاية عقد الشراكة المغشوش:

ومن نهاية حكم السلطة الواحدة، “الدكتاتوري” عام 2003 وإلى ما قبل 25 سبتمبر الماضي، عاش العراقيون، بكل طوائفهم وقومياتهم وأديانهم، أمرَّ أيامهم تحت ظل النظام “الديمقراطي الفيدرالي” الذي أقامه الزعماء السبعة الكبار للمعارضة العراقية السابقة، والذي أكثروا عنه الكلام الجميل، واعدين بأن يجعلوه نهاية للدكتاتورية والعنصرية والطائفية والمحسوبية والفساد.

ولكن العراقيين، بعد أربع عشرة سنة، صاروا يترحمون على الدكتاتورية الراحلة التي كانت أرحم وآمن وأكثر عدلا ونزاهة من ديمقراطية الديمقراطيين. ولم يمض وقت طويل حتى تحقق الحدس.

فقد حانت ساعة الصدع بالنوايا المخبأة لدى البارزاني، فكانت حملته الاستفتائية الأخيرة، وإصرارُه على الانفصال بدعوى غدر حلفائه الإسلاميين به، ليعلن شهادة وفاة العقد الفيدرالي الذي فصَّلوا بنودَه وأحكامه على مقاس أغراضهم الحزبية والشخصية المرحلية العابرة، وليفاجئ المنطقة كلها بخلطة أوراق جهنمية مخيفة، وليضع الشعبين الكردي والعراقي في مأزق لا خروج منه إلا بموت جحا أو القاضي أو الحمار.

مع احتمال اشتعال الاقتتال بين الحلفاء، هذا باسم حق تقرير المصير للشعب الكردي، وذاك بذريعة الدفاع عن وحدة الوطن وعن الدستور. والحقيقة البينة أن كليهما غيرُ صادق. فلا الأسرة البارزانية أخلصت للأكراد وأنصفت وحمت حرياتهم وأرزاقهم، ولا أحبة قاسم سليماني احترموا وطنا وسيادة وكرامة، ولا عدلوا مع شعبٍ يغلي غضبا عليهم كل يوم.

وحين قالت الغالبية العظمى من الأكراد العراقيين نعم في الاستفتاء، فذلك لكي تثبت أنها ليست أقل إيمانا من مسعود البارزاني بحقها القومي المشروع في الاستقلال. ولكن كثيرين صوتوا لحلم الدولة المستقلة وليس للانفصال، على الأقل في المدى المنظور. ويعللون ذلك بأن قيام دولة كردية صغيرة في شمال العراق، رغم أنف العراق، ومعاداة دول الجوار الأخرى، وفي ظل الرفض الدولي، وبالتأييد الإسرائيلي، يعني حرائق لا تنتهي ليس لها داعٍ ولا مبرر.

وأخيرا. تُرى كيف كان العراق سيكون لو تبنّى الذين تصدروا المعارضة الأميركية الإيرانية السورية ذلك المقترح، وأخصلوا فيه؟ ولكن فاقد الشيء لا يعطيه. فمن منهم لم يكن يريد أن يصبح من أصحاب المال والجاه والميليشيا؟ وكم منهم كان سيرضى بانتخابات نزيهة ليس فيها تزوير ولا ترهيب ولا بيع ولا شراء؟

 

كاتب المقال