لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الأثنين: 18 مارس، 2019

سالي المبارك

 

أثناء تغطيتي الأعلامية  للمؤتمر الطبي للجمعية العراقية الموحدة في المملكة المتحدة في  لندن كنتأنصت بكل أعجابللدكتورة زينب أشكارة وهي  تتحدث عن السيرة الذاتية والمسيرة العلمية والأنسانيةلوالديها البروفسور عز الدين شكارةووالدتها البروفسورة  أنيسة شكارة ، حيث خصصه  المؤتمر أحدىجلساتهُ لتأبين وأستذكار هذان العالمان الجليلان   وماكان من  دورهما الريادي في مجال الطب . 
عينان الدكتورة زينب كانت تلمع بدموع المحبة والحنين لوالديها مع أبتسامة لا  تفارق وجهها   وهيتتحدث بكل فخر عنوالديها وكيف لا وهي الأبنة الكبرى من بين ثلاث اخوات وأخوين ورثوا المجد والسيرةالطيبة عن والديهم . 
كعراقية كنت أشعر بالفخر والاعتزاز وأنا أتعرف على الإنجازات و الشهادات العالمية التي حصل عليهاطبيبان عراقيان منبلدي واسمع   أصوات الأطباء الحاضرين في المؤتمر  تعلوا وهي تترحم على روحاأستاذيهما الذان تعلموا منهما الطبوالأنسانية . 
 على  هامش المؤتمر كان لي لقاء مع الدكتورة زينب أشكارة تحدثنا بشكل اكثر تفصيل عن مسيرة والديهاوصرحت لي عننيتها نشر  كتاب يتناول سيرتهم فهما قدوة لكل مبدع لديه طموح وسيرتهما يُستلهممنها الدروس والعبر . 
من هي البرفسورة أنيسة شكارة  ؟ 
من هو  البرفسور عز الدين  شكارة ؟ 
ما هي أنجازتهما العلمية ؟ 
كيف كانت حياتهما الأنسانية ؟ 
البرفسورة أنيسة شكارة او كما يحلو لطلابها  مناداتها ماما أنيسة  هي امرأة  بغدادية لا تشبه غيرها من النساء لديها منالطموح والموهبة والإصرار مايجعلهاتتحدى الصعاب  ، ولدت في بغداد سنة ١٩٣٤ والدها المرحوم يوسف حنظل  من أشهرالضباط في الجيش العراقي في بداية تأسيسه وكان مدير الشرطة العامومدير التفتيش العام في الجيش العراقي وهوخريج الكلية العسكرية في أسطنبول .
 تخرجت من متوسطة الرصافة للبنات والإعدادية المركزية للبنات ، لديها مواهب كثيرة في الرياضة والتمثيل وقراءة الكتبباللغة الإنكليزية شاركت في بطولاتلكرة المنضدة والتنس ودخلت في مسابقات لعدد الكتب المقروءة ومثلت على مسرح كليةالطب  جامعة بغداد كل هذه الهوايات استطاعت  بشجاعة القيام بها بالرغم من طبيعة المجتمع العراقي المتحفظ آنذاك والذي  يميل للفكر الذكوري . 
أما طموحها ورغبتها الوحيدة فقد كان  دخول كلية الطب على الرغم من أن امتحان القبول لدخول الطب  كان عسير جدا فيذلك الوقت ، لم تنجح بالمحاولةالاولى بسبب مشكلة صحية كانت لديها في الغدة الدرقية فدخلت كلية الهندسة المدنيةونجحت بالسنة الاولى بتفوق كبير لكن حبها الكبير للطب يسيطر عليهامما دفعها للتقديم مرة أخرى بالسنة اللاحقة بعد انعالجت مشكلتها الصحية وبدأت أولى خطواتها بتحقيق حلمها . 
كانت  الدكتورة أنيسة واحدة من بين خمس نساء فقط من دورتها تخرجن من كلية الطب سنة ١٩٥٧ وتخصصت فيالنسائية والتوليد والأطفال حيث لم يكنيسمح للنساء بعمل تدريب في الباطنية والجراحة . 
بعد التخرج ذهبت الطبيبة الشابة الثرية بسيارتها التي تقودها الى مدينة الديوانية  حيث تعينت هناك قرى وأرياف وشاءالقدر  والتقت لأول مرة بمن سيكونشريك حياتها الدكتور عز الدين شكارة الذي كان مديرمستشفى الديوانية الجمهوري  وجدت فيه نصفها الثاني  فهما يمتلكان نفس الصفات الشجاعة بأتخاذ القرار ،الذكاء العالي والطموح الكبير جمعهماحبهما للطب وأيمانهما العميق بقدسية مهنة الطب وأدراكهما المبكر أن الطب رسالة نبيلة وهبة من الله وهبها أياهماوعليهماأن يحترماها ويدرسها بأمانة شديدة للاجيال التي تأتي بعدهم . 
من هو البرفسور عز الدين شكارة ؟ 
ينتمي الدكتور عز الدين شكارة لأسرة بغدادية عريقة ولد في عام ١٩٢٩ والده القاضي السيد عباس  شكارة  وخاله السيدكاظم شكارة مؤسس ومدير المدرسةالجعفرية في بغداد ، ونظرا لظروف عمل القاضي وتنقله بين المحافظات فقد أكملالدكتور عز الدين شكارة دراسته الأبتدائية والمتوسطة والإعدادية مُتنقل بينمدارس مختلفة في محافظات بغداد والحلةوالديوانية ثم أكمل دراسة الطب في كلية طب بغداد جامعة بغداد وتخرج سنة ١٩٥٤ حاصل على بكالوريوس فيالطبوالجراحة . 
عمل كطبيب مقيم وطبيب ممارس في بغداد والمحاويل ثم مدير في  مستشفى الديوانية الجمهوري .  
السفر الى المملكة المتحدة 
ولأن طموحه كبير وشغفه بالطب ليس له حدود قرر السفر للمملكة المتحدة لأكمال دراسته العليا ونيل المزيد من الشهاداتوالتخصص ، وهو نفس القرار الذيأتخذته الدكتورة أنيسة  بعد ان حصلت على منحة دراسية من الدولة وأصرت علىالسفر بمفردها الى إنكلترا لأكمال دراستها العليا في الطب . 
حصل  الدكتور عز الدين شكارة على شهادة الأختصاص في أمراض المناطق الحارة من جامعة لندن سنة ١٩٥٩ ،وعضوية كلية الأطباء والجراحين الملكية فيكلاسكوا ، وعضوية كلية الأطباء والجراحين الملكية في أدنبرة سنة ١٩٦٤ . 
في عام ١٩٦١  وتحديدا في اليوم الاول والشهر الاول  من العام كان الحدث الأهم في حياة كل من الدكتورة أنيسةوالدكتور عز الدين اشكارة هذا التاريخ الجميلكان تاريخ زواجهم في لندن هذا الزواج المثالي  بكل ما يحمل من معانيالحب والانسجام العاطفي والفكري ،  بقيا يحتفلان بذكرى زواجهما  السعيد مع عائلتهما لمدة ٥٢ سنة  يكتب لها في كلعام اعذب الكلام الرومانسي كعاشق  هائم بحب حبيبته  . 
بعد سنة من زواجهما انجبا ابنتهما زينب  في لندن  وعلى صعيد مواصلة الدراسة حصلت  الدكتورة أنيسة على شهادةالدبلوم العالي لطب الأطفال . 
بعد أكمال دراستهما في عام  ١٩٦٤ وحصولهما على الشهادات العليا قرّرا  الرجوع الى الوطن لتنفيذ رسالتهم النبيلةبتعليم الأجيال القادمة من الأطباء ونقل كل ماتعلموا لهم  فالتدريس  له قدسية كبيرة عند الدكتور والدكتورة شكارة . 
 تم تعينهم كأساتذة مدرسين في جامعة الموصل الجامعة الوليدة أنذاك فكانوا أول أساتذة عراقيين يعملوا بالتدريس كأطباءفيها ، فكان الدكتور عز الدين  شكارةرئيس لفرع الطب  الذي أسسه لمدة عشر سنوات كانت حافلة بالنجاحات والإنجازات.
أما على صعيد الأسرة فقد كبرت العائلة  بعد ان صار عندهم  علي وأمنة وعقيل وعلياء الذين ولدوا جميعهم في الموصل ،كان الوالدين يغمران  اولادهم بالمحبةوالحنان وكانا  مؤمنين بالثقافة والفن والرياضة وتأثيرها الكبير على نمو وحياةالانسان لذلك شجعوا  اولادهم على المشاركة بكل الفعاليات الفنية والثقافيةوالرياضية وعلى الأطلاع وكسب المعرفة من اجلتنمية  الإبداع فيهم فصبح ثلاثة من الأولاد أطباء أخصائيين زينب وعلي وأمنة  ومهندس معماري عقيل ومحاسبة قانونيةعلياء .  
حظت عائلة شكارة بحب وأحترام وتقدير أهل الموصل بأخلاقهم العالية وأحترامهم للناس   فكانت  الدكتورة  شكارة  هيالطبيبة المفضلة لأهل الموصل بطيبتهاوعطفها على المرضى  أما  طلابها فقد  كانوا يلقبونها ماما أنيسة  لحبهم لها وبالرغممن نجاحها الكبير ألا أنها أختارت  أن تترك عيادتها الخاصة وسط دهشةالجميع كي تعطي أولادها الخمسة مزيد منالاهتمام والوقت وأكتفت بالتدريس بالجامعة والوقوف وراء الزوج الذي حقق الكثير من النجاحات العلمية والإداريةفي طبالموصل . 
وبعد أربعة عشر عام من العمل والكفاح في مدينة الموصل تلك المدينة التي أحبتهم وأحبوها يأتي وقت الفراق والعودة الىبغداد ليكملان مسيرتهما العلمية فيجامعة بغداد .

الرجوع الى بغداد . 
تم طلب الدكتور عز الدين شكارة للعمل في كلية الطب جامعة بغداد  لعدم وجود أختصاصي في أمراض الجهاز العصبيلديهم والدكتور شكارة كان يحمل ستشهادات اختصاص  من جميع كليات المملكة المتحدة الملكية فلديه  زمالة كلية الأطباءالملكية في أدنبرة ، زمالة كلية الأطباء الملكية في كلاسكوا ، زمالة كليةالأطباء الملكية في لندن بالأضافة الى عضوية كليةالأطباء والجراحين الملكية في لندن بصورة فخرية . 
أستمرا بالعمل كل من  الدكتور والدكتورة شكارة كأساتذة طب في جامعة بغداد الى أن أحيل الدكتور عز الدين شكارة معثمانية وأربعين أستاذ طب من عمومجامعات العراق للتقاعد بأمر من مجلس قيادة الثورة في عام ١٩٧٩ !!!  (يبدو أنالحاكم الظالم المستبد في كل عصر وزمان أكثر شي يخاف منه العلم والعلماء) . 
أما الدكتورة أنيسة فأستمرت بالتدريس في كلية طب جامعة بغداد الى سنة التقاعد في عام ١٩٩٢ وظلت على نفس نهجهابالأهتمام الشديد بالتدريس والطلابالذين مازالوا يذكرون محاضراتها وطريقة معاملتها للأطفال وأجمعوا على أنهم تعلمواالكثير من أخلاقها الحميدة وهدوئها وأبتسامتها الدائمة مع مرضاها .  
الدكتور عز الدين شكارة بعد التقاعد
 واصل مسيرته الطبية من عيادته الخاصة وأكمل رسالته بنشر العلم والمعرفة  فقد أصبح رئيس جمعية أحياء تراث وتاريخالطب العربي وكان يُلقي محاضراتطبية في مختلف المحافل المدنية الطبية داخل وخارج العراق كما قام بتأليف كتاب طبالجهاز العصبي باللغة العربية فصبح هذا الكتاب مرجع علمي مهم فيالمكتبة الطبية العالمية كما تم أختيار الدكتورعزالدين شكارة لمنصب شرفي يمنح لشخصية واحدة فقط من كل دولة  من زملاء الكلية الملكية  وهذا المنصب  هوالمستشار الدولي لكلية الأطباء الملكية – لندن في العراق)  ومن خلال هذا االمنصب أستطاع  الدكتور شكارة مساعدة  مجموعة من الأطباء بالحصول  علىعضوية كلية الأطباء الملكية بعد جهد طويل وحثيث بسبب ظروف الحصار الأقتصاديالخانق على العراق ومنع  الأطباء  من السفر هؤلاء الأطباء يتذكرون اليوم فضل أستاذهم الكبير عليهم بكل حب وتقدير
الدكتور عز الدين شكارة يصبح شخصية عالمية  
وصل الدكتور عز الدين شكارة للعالمية عندما منح لقب ( العالم المتميز ) للقرن العشرين في عام ٢٠٠١ من جامعة كمبردجمن مجمعوعة ضمت ٢٠٠٠ عالم منمختلف أنحاء العالم هذا التكريم  أسعد الدكتور شكارة كثيرا لكنه للأسف الشديد لميستطيع  حضور التكريم وأستلام الجائزة بنفسه بسبب الحصار الاقتصاديومنع الأطباء العراقيين من السفر
  كما أختير في أستفتاء نظمته كوكول google   كأول طبيب عراقي يحمل عضوية وزمالة جميع كليات الأطباء والجراحينالملكية في المملكة المتحدة . 
بالرغم من الكم الكثير من الشهادات العلمية التي حصل عليها الدكتور والدكتورة شكارة وعروض العمل المغرية  من مختلفجامعات العالم التي كانت تتمنىموافقتهم إلا انهم كانوا  مخلصين أوفياء الى وطنهم العراق ولم يفكروا يوما بالسفر والعملخارجه لان رسالتهم السامية كانت تعليم ماتعلموا من العلم لأبناءوطنهم . 
وشاء القدر أن يموت ويٌدفن عاشق الوطن خارج الوطن في إنكلترا عام ٢٠١٣  وهو في حضن حبيبته ورفيقة دربه ماماأنيسة المرأة العظيمة وبعدها بخمسسنوات تموت وتدفن النخلة العراقية الشامخة الدكتورة أنيسة شكارة بعيدا عن أرضوشمس بلدها في أمريكا في ولاية بنسلفانيا في عام ٢٠١٨ .

كاتب المقال