لنشر مقالاتكم: [email protected]
تغريدات سياسية
الأربعاء: 10 يناير، 2018

لتحقيق الاستقرار والازدهار ، يتعين على اقليم كردستان العراق ان يعالج مشكلة تسييس مؤسساته. وقد ظهرت هذه المشكلة خلال سنوات عديدة ، وستبذل جهود كبيره لسن إصلاحات مجدية. ومع ذلك ، فان القيام بذلك هو أفضل طريق للسير الى الامام بالنسبة للأكراد العراقيين.

وقد واجهت حكومة إقليم كردستان أزمة نظامية منذ إنشائها في عام 1992. أولا، على الرغم من المحاولات العديدة لنزع الطابع السياسي عن قوات البشمركة المسلحة لحكومة إقليم كردستان، فإنها لا تزال مقسمة. كان الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني  جماعتان مسلحتان تقاتلان الدولة العراقية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وقد احتفظا بقواتهما العسكرية والأمنية تحت سيطرتهما حتى بعد صعود حكومة إقليم كردستان.

 

الحاجة إلى الإصلاح

ومن الناحية المؤسساتية، ما زالت حكومة إقليم كردستان متخلفة ولا تزال في طريق مسدود فيما يتعلق بتوزيع السلطات داخل الحكومة، وما إذا كانت الحكومة يجب أن تكون ديمقراطية برلمانية أو رئاسية. ولا يزال يتعين على المنطقة أن تعتمد دستورا. وفي الفترة من عام 2005 إلى تشرين الثاني / نوفمبر 2017، كانت المنطقة تعمل بنظام رئاسي مع هيئة تشريعية ضعيفة تعمل معظمها في سن تشريعات صاغها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في اجتماعات المكاتب السياسية المغلقة للحزبين. في أكتوبر 2015، منعت قوات الأمن الموالية للحزب الديمقراطي الكردستاني رئيس البرلمان يوسف محمد من حركة التغيير (غوران)، ثاني أكبر كتلة في البرلمان، من دخول أربيل. وكان محمد يحاول حضور جلسة لتعديل قانون الرئاسة، الذي انتهت بموجبه ولاية الرئيس مسعود برزاني من الناحية القانونية، على الرغم من أنه ظل في منصبه. وأشار الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الجلسة بأنها “محاولة انقلاب” ودافع عن قرار إبقاء برزاني في منصبه كضرورة للحرب ضد داعش.

كما يفتقر إقليم كردستان إلى قضاء مستقل. وفي دراسة استقصائية أجراها مركز تنمية الديمقراطية وحقوق الإنسان ، اعتقد 50٪ من بين 300 شخص في إقليم كردستان أن استقلال القضاء في كردستان مشكوك فيه، في حين أن 40٪ يعتقدون أن استقلاليته على مستوى متوسط . وتشتهر وزارة العدل بكونها أداة للأحزاب السياسية الحاكمة لمحاولة قمع المعارضة السياسية. على سبيل المثال، في تشرين الثاني / نوفمبر 2017، وجه النائب العام اتهامات إلى رابون معروف، عضو البرلمان الذي انتقد القادة العسكريين للحزب الديمقراطي الكردستاني في مؤتمر صحفي ب “تعريض أمن المنطقة للخطر”. وخلال مقابلة مع قناة كوردستات الإخبارية،قال كرزان فاضل، وهو محام في مركز تنمية الديمقراطية وحقوق الإنسان ، أن المحاكم لا تستطيع إصدار أمر بالقبض على شخص يرتكب جريمة إذا كان على مستوى ضابط في قوات الأمن. و أشار إلى قضية اتهم فيها عضو في جهاز الأمن (اسايش) بالقتل، لكنه لم يحضر إلى المحكمة لأن أسايش رفض تسليمه إلى العدالة. بدلا من ذلك، طلب أسايش ملفات قضيته واخبر المحكمة أنهم سيحاولون محاكمته بأنفسهم. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة عدد عمليات الانتقام التي يقوم بها المدنيون في المجتمع لان الناس لا يثقون بالمحاكم.

 

وقد ادى الافتقار إلى التماسك المؤسساتي وتاثير الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد  الوطني الكردستاني على العملية السياسية إلى تيسير الفساد وسوء أداره الأموال العامة. ويغذي هذه الأموال المكاسب المفاجئة في ريع النفط المتأتي من صناعه النفط والغاز الطبيعي التي تنمو بسرعة في المنطقة. وعلي الرغم من إدخال الإصلاحات ، بما في ذلك تسجيل الموظفين البيومتريه والتقشف في الأجور ، فان الإصلاحات بالكاد خدشت سطح نظام المحسوبية العميق الجذور الذي سيطر علي نفقات ميزانيه حكومة إقليم كردستان. وفي حين تم استدعاء بعض الإداريين ذوي المستوى المنخفض بتهمة الكسب غير المشروع، لم يحاكم حتى الآن أي من المسؤولين البارزين مثل الوزراء ونواب الوزراء والمديرين العامين والمحافظين بسبب اتهامات الفساد.

في عام 2016، طلبت حكومة إقليم كردستان خارطة طريق من البنك الدولي للإصلاح الاقتصادي الإقليمي. وقد أعد البنك الدولي تقريرا تفصيليا يوصي فيه بأن تتخذ حكومة إقليم كردستان خطوات لتنويع اقتصادها عن طريق الحد من العقبات التي تعوق المشاريع الخاصة وتعزيز الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. وأوصى التقرير أيضا بأن تزيد حكومة إقليم كوردستان من فرص الحصول على القروض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتخفيض الدعم، وتقليص العمالة في القطاع العام، وتحسين المساءلة، ومعالجة الفساد. واوصي التقرير أيضا بنظام للمعاشات التقاعدية والرعاية علي أساس الحاجة من شانه ان يخفض عدد موظفي القطاع العام الذين يجمعون بين معاشات تقاعدية متعددة.

ومع ذلك، لم تتمكن حكومة إقليم كردستان من متابعة تنفيذ بنود التقرير على أساس أنها كانت في خضم الحرب مع داعش.ولخفض العجز في الميزانية البالغ مليار دولار من خلال الحد من النفقات العامة، أعلنت حكومة إقليم كردستان عن “خطة ادخار” جديدة في شباط / فبراير 2016. وقد اقترحت هذه الخطة تخفيضات في الأجور لجميع الموظفين العموميين، تراوحت بين 15 و 75 في المائة، تبعا لوضعهم ومرتباتهم. وأثرت التخفيضات بشكل غير متكافئ على أصحاب الأجور الأدنى. وعلاوة على ذلك، لم تتمكن حكومة إقليم كوردستان من دفع الرواتب باستمرار على أساس هذه الخطة، وتراكمت أجور موظفي الخدمة المدنية لعدة أشهر في النهاية، مما تسبب في انتشار الفقر على نطاق واسع، ولا سيما في محافظتي السليمانية وحلبجة التي تخلف فيهما نمو القطاع العام عن المحافظات الأخرى. ويعتمد السكان في تلك المناطق أيضا على نظام الرعاية الاجتماعية للغذاء والوقود والدخل.

قامت الحكومة العراقية بخفض ميزانية إقليم كردستان كل عام منذ عام 2014، وبالتالي لم تتمكن حكومة إقليم كردستان من دفع أجور موظفيها. والنتائج واضحة: من الناحية الاقتصادية، يعيش الناس في ظروف قاسية، مما يجبر عشرات الآلاف على الهجرة من المنطقة. نتيجة أخرى هي أنه وفقا للتقارير الأخيرة فإن معدل الجريمة آخذ في الارتفاع في كردستان العراق. وقد صرح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مؤخرا بأن حكومته مستعدة لدفع الرواتب الكردية، ورحبت حكومة إقليم كردستان بالدعوة وقالت إن ذلك يتطلب من الحكومة العراقية دفع رواتب 1.2 مليون شخص. دفع الكثير من الناس سيكلف العراق 897.5 مليار دينار عراقي (772 مليون دولار). ومع ذلك، لا يعتقد العبادي أن حكومة إقليم كوردستان يمكن أن يكون لديها 1.2 مليون موظف فعلي في كشوف المرتبات. وقال إن “الأحزاب الكردية عملت منذ فترة طويلة على شراء ولاء الناس وتم هدر الاموال نتيجة الفساد. . . . الشيء الذي يجب إيقافه “. أعلن العبادي مؤخرا أن بغداد ستبدأ في مراجعة قوائم الرواتب لموظفي الخدمة المدنية في حكومة إقليم كردستان حسب كل مجموعة، وسيتم دفعها بعد فحصها. ومع ذلك، فإن العبادي قد لا يكون صادقا في دفع موظفي الخدمة المدنية في حكومة إقليم كردستان وحصة الميزانية القانونية كما تريد حكومة إقليم كردستان، لأن ذلك قد يضر بموقف العبادي في الانتخابات العامة المقبلة في مايو / أيار 2018.

كما أدى الفشل في دمج وإصلاح قوات الأمن في حكومة إقليم كردستان إلى إضعاف موقف حكومة إقليم كردستان تجاه الحكومة العراقية. ويتجلى ذلك من خلال الهجمات الأخيرة التي شنتها القوات العراقية على كركوك. وقال كادري حاجي علي، وهو سياسي كردستاني بارز ومؤسس لوكالة الاستخبارات في الاتحاد الوطني الكردستاني: “إذا لم تكن القوات العراقية قد هاجمت كركوك أبدا، فإنها لن تعرف الانقسامات بين قوات الاتحاد الوطني الكردستاني”. وقال: ان الوحدة 70 [1] في الاتحاد الوطني الكردستاني قوية جدا ولديها مهارات جيدة جدا في الحرب؛ وليس يامكان قوات الأمن العراقية محاربتهم. لكن المسؤولين العراقيين كانوا يعرفون بالفعل أن قوات الاتحاد الوطني الكردستاني في محافظة كركوك كانت مقسمة وتتلقى أوامر من مصدرين مختلفين، وبالتالي هاجموا كركوك ثم فقد الأكراد جميع المناطق التي كانت تحت سيطرة القوات الكردية. [2] يمكن لجيش كردي متحد يتلقى أوامر من مصدر واحد أن يعزز وضع حكومة إقليم كردستان ضد بغداد.

 

خطر في الأفق

بعد ثلاث سنوات من التقشف في الأجور والأزمات السياسية والإخفاقات العسكرية، اندلعت احتجاجات في السليمانية ورانيا وحلبجة وكويا ومدن أخرى في ديسمبر / كانون الأول 2017 للضغط على مسؤولي حكومة إقليم كردستان لتنفيذ تغيير جذري. ورد المسؤولون بدلا من ذلك بتنفيذ الأحكام العرفية واعتقال النشطاء والصحفيين بشكل جماعي.وليس هناك خطر فقط من ان تستغل الحكومة الاتحادية العراقية أو القوى الاقليميه الأخرى الفراغ الأمني فحسب ، بل ان تعبئة القوات التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني في محافظة السليمانية التي يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني للسيطرة على الاضطرابات يثير احتمال تجدد الحرب الحزبية.

إن تسييس مؤسسات حكومة إقليم كردستان، والنمو المتقلب، والافتقار إلى الإصلاح، له عواقب وخيمة كثيرة على إقليم كردستان العراق. أولا، من خلال سلسلة من الأزمات السياسية التي تحايلت فيها الأحزاب المهيمنة على المؤسسات الديمقراطية لحكومة إقليم كردستان لفرض إرادتها، فقدت الأحزاب السياسية في المنطقة، ولا سيما الاتحاد الوطني الكردستاني، ثقة دوائرها الانتخابية. وقد مهد تاخير الإصلاحات وإنكارها الطريق امام الاحتجاجات العنيفة،وقد يشكل بعض هذه الاحتجاجات تحديا للنظام السياسي الحالي ويعبر عن نفسه في شكل انتفاضات.  وفي أسوأ السيناريوهات، يمكن أن تؤدي الاضطرابات إلى نشوب حرب أهلية في كردستان العراق، الأمر الذي قد يعني نهاية حكومة إقليم كردستان،  لأنه سيوفر ذريعة للانتشار العسكري العراقي في الإقليم ، وهو احتمال أشار إليه رئيس الوزراء السيدعبادي في الآونة الأخيرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدم وجود إصلاحات اقتصادية يجعل حكومة إقليم كردستان عرضة للعقوبات الاقتصادية وانعدام الأمن الغذائي وتقلب أسواق الطاقة العالمية.

 

نزع الطابع السياسي عن العديد من القطاعات المسيسة في الاقليم

إن إصلاح الأجهزة الأمنية لحكومة إقليم كردستان مهمة كبيرة. والخطوة الأولى اللازمة هي عدم تسييس قوات الأمن. وخلال فترة طويلة، كانت استجابة اجهزة الامن للقادة السياسيين. بينما يجب على قوات الأمن والبشمركة أن تستجيب لارادة الشعب ولا أحد آخر. ثانيا، تنفيذ نظام سياسي يعتمد على برلمان قوي يتيح للمسؤولين المنتخبين مراقبة أجهزة الأمن. سوف يعزز بشكل كبير وضع حكومة إقليم كردستان بالنسبة لبغداد، وسوف ينهي أي حجج مفادها أن حكومة إقليم كردستان غير ديمقراطية. إن وجود برلمان قوي سيجعل حكومة إقليم كردستان قوية سياسيا في أعين الغرب، وقد تكون قادرة على ممارسة تأثير أكبر على بغداد. وعلاوة على ذلك، فإن إصلاح النظم السياسية سيعزز الأمن الإنساني داخل حكومة إقليم كردستان، التي أصبحت الآن مهددة. ومن خلال الموافقة على هذا الترتيب الجديد، يمكن للأحزاب الحاكمة أن تعيد الظهور كأحزاب قوية وشعبية. وأخيرا، من الواضح أن الإصلاح الشامل سيجعل حكومة إقليم كردستان قوية وديمقراطية. وهذا يحسن علاقات حكومة إقليم كردستان مع القوى الغربية، التي تعد الديمقراطية بالنسبة لها أهمية قصوى. ان الشرق الأوسط الأوسع يقتقر الى الديمقراطية، ووجود شريك ديمقراطي مناسب في الكفاح ضد التطرف السلفي مهم حقا للقادة الغربيين. والطريقة الوحيدة لحكومة إقليم كردستان للفت انتباه المجتمع الدولي إلى القضية الكردية هي أن تصبح ديمقراطية حقيقية ونموذجا يحتذى به في المنطقة.

كاتب المقال

اقرأ ايضا

بدأت الحرب الكونية على العراق

الثلاثاء: 10 يوليو، 2018

العراق ومارد المصباح السحري

الأثنين: 4 يونيو، 2018

تحرير العراق في 2003 ماذا اثبت

الأثنين: 30 أبريل، 2018

موسم ألحصاد في العراق

السبت: 28 أبريل، 2018

نقطة سوداء في تاريخ العراق

الخميس: 29 مارس، 2018