لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الجمعة: 21 يوليو، 2017

د. صادق السامرائي

لكل كرسي وسيلة حكم وقميص , ولا يخلو كرسي من هذين الأمرين , فهناك كراسي تحكم بالدستور والقانون والنظام , وأخرى تحكم بالفرد والحزب والفئة والطائفة والعائلة , وغيرها يكون الظلم والفساد ديدنها وطريقتها المفضلة , وبعضها يحكم بالقتل والخوف والرعب والخطف والتنكيل وبناء السجون والمعتقلات والتطهير العرقي والمناطقي.
وتجد من بينها كراسي صار الإرهاب وسيلتها المفضلة والسهلة للبقاء في الحلكم , ولهذا فهي توفر الظروف الموضوعية والمادية والإعلامية والفكرية لتوليده وإدامته والعمل على مواجهته , لكي تبقى في الحكم إلى ما شاء سيدها ومساندها التابعة له والمرهون مصيرها بإرادته.
فلكل كرسي منهج حكم يقبض بواسطته على حياة الناس ويروعهم ويدجنهم لخدمة مصالحه , وبسبب هذه النزعات التسلطية المعروفة عبر التأريخ , أدركت العديد من المجتمعات أن عليها أن تضبط سلوك الكراسي بعقد إجتماعي صارم , يحتم بناء النظام السياسي الكفيل بالمحافظة على مصالح الوطن والمجتمع , ويقيد الكراسي بأحكام وضوابط دستورية لا يمكنها أن تحيد عنها أو تتجاوزها وتكون فوقها مهما حاولت وناورت.
وفي المجتمعات المبتلاة بالويلات والتداعيات تجد الكرسي فوق الدستور والقانون ,إذ ينتفي فيها الدستور والقانون ويكون الكرسي هو الأصل وصاحب القرار الفصل , والجالس عليه منزه ومؤله ولا يمكنه أن يأتي بخطأ , وإنما هو العالم العليم وصاحب الرأي الصائب السليم , فلا إعتراض على رأيه وقوله وقراره فهو القويم الحكيم.
وبسبب هذا الإمتلاك المطلق والمصادرة الكاملة للإرادة الوطنية والشعبية , تتحول البلدان إلى مواضع وجيع وأنين ومستنقعات تكالب وتحارب وتصارعات دامية , خصوصا عندما ينتهج الكرسي أساليب إرهابية للبقاء في الحكم وتحقيق أعظم المنافع الشخصية والفئوية والحزبية , مما يدفع إلى توفير المنافذ المتنوعة للقوى الطامعة في الوطن , وإنطلاقها بحرية أكبر وقدرات أعظم للوصول إلى أهدافها وغاياتها التي تسعى إليها وتؤمن بضرورة تحقيقها.
وفي منطقتنا بعض القوى المتمكنة من الكراسي , المتوهمة بأن الحكم بالدم والنار والبارود هو الذي يديمها ويمنع عنها الضعف والإنهيار ويؤمّن لها الحاضر والمستقبل , فلا يعنيها تخريب البلاد وسبي العباد , وإنما المهم أن تبقى في الحكم وتتواصل بالفساد ونهب الثروات , وتدمير الشواهد والعمران ومحق الهوية وسحق الوطنية والقضاء على قيم المواطنة , وتغييب الوطن في غياهب الضلال والبهتان والإعتقاد المهين.
وما دامت بعض المجتمعات مبتلاة بهذه الأنظمة المتكرسنة المتورطة بالفساد والظلم والإرهاب والعدوان على الأرض والإنسان والمعتقد والقيم والأخلاق , فأنها ستدوم في دوائر مفرغة مغلقة من التفاعلات الدامية المعادية لكل ما هو جدير بالحياة والأمل , وكأنها تعدّ بلدانها لكي تكون مواطن لأقوام أخرى لها تصورات غابرة ومعتقدات فاغرة , تبحث عن كينونتها التي تتوهمها في زمن مضى من الأزمان.
ولن تفلح شعوب وأمم شبت الكراسي فيها على الظلم والدمار ومصادرة حقوق الوطن والإنسان!!
فهل سيستيقظ المغفلون ويدركون مخاطر اللعب بالجمر اللّهاب؟!!

كاتب المقال