لنشر مقالاتكم: [email protected]
مقالات
الخميس: 20 يوليو، 2017

زاهد الخليفة

لم يكن هناك أبداً حربٌ جيدة أو سلامٌ سيء، لكن حتمية بعض الأمور لا يمكن أن نقف فيها موقف الحياد كما في حربنا ضد الإرهاب. فكانت القاعدة هي إن الذين يريدونَ أن يعيشوا يجب عليهم القِتال، وأولئكَ الذينَ لا يريدونَ القِتال في عالم الصِراع الأزلي لا يستحقون العيش.

هكذا نحنُ، كان من السيء أن نقِف موقف المتفرج من الإرهاب، ومن الأسوأ أن نعترف بهِ أو نهادنهُ، حيث أُرغمنا على الحرب منتصرين داخلين الموصل أفواجاً أفواجا. اليوم نحنُ نعيش المرحلة الثانية بعدما وضعت الحربُ أوزارها وشاهدنا كم الدمار الهائِل في البُنى التحتية والفوقية. فإن من المُسلّمات إعادة ما دُمّر فقد هُدمت الألاف من البيوت والمدارس والمستشفيات وباقي المؤسسات الخدمية، بل إن الدمار لحِقَ بِكُل تُراث الموصل وآثارها ومعالمها التاريخية. حيثُ كانت نواياهم واضحة كانَ القصدُ مِنها طمس وهدم ليست الموصل فحسب وإنما العراق حضارياً وثقافياً واقتصادياً.

اليوم الحكومة مُلزمة بأن تتحرك وبسرعة بالنهوضِ بأرضِ وأهلِ هذهِ المحافظة المنكوبة فلا بُدَ مِن إعادة الحياة إليها والاستعانة بالكوادر والنُخب والشُرفاء مِن أهلها كبداية من أجل الرجوع للمسار الصحيح. فالإسراع بالإعمار هي الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والإثبات للعالم إننا شعبٌ يُحبُ الحياة وقد قاتل بالنيابةِ عنهُ أشرس المجرمين والمتطرفين.

كان لتحرير هذهِ الأراضي ضريبة يجب أن تُدفع الا وهيَ دِماء أبناء هذا الوطن، على الرغم من إنها غالية جداً إلا إنهم تدافعون من أجل الشهادة ولسان حالهم يقول: أرضنا أغلى من أرواحنا. وعندما تسأل القاصي والداني لمن يعود الفضل في التحرير ستكون الإجابة البديهية الجيش والحشد الشعبي، ونحنُ نعلم إن جُل تلك القوات هم من الوسط والجنوب الذين ذهبوا من أجل نصرة أخوانهم في الانبار وصلاح الدين وكركوك وديالى والموصل مسطرين أروع ملاحم التضحية والفداء تاركين خلفهم دعوات أمهاتهم ودموع زوجاتهم وحبيباتهم وأحلام أطفالهم، هُم مَن أعادَ لنا الأمل في الحياة بعد ما سلبها الظلاميون وأطفأوا بدمائِهم نيران الحرب المستعرة فجعلوها برداً وسلاماً، لم يفرقوا بين من كان مسلماً أو مسيحياً أو يزيدياً بل جمعهم حُبُ العراق فنحن أبناء وطن واحد بغض النظر عن كل المسميات. إن عدد الشهداء الذين قضوا في تلك الحرب الضروس كبير جداً رغم إنه لا توجد إحصائية دقيقة لكن يعلم الجميع إن عددهم بلغ الآلاف، والمئات من الجرحى والمعاقين. هل سأل أحدهم من سيعيل عوائل تلك الشهداء؟ من يُدخل أولادهم المدارس من يقيهم حرُ الصيف وبرد الشتاء؟ إن الإجابة يجب أن نجدها لدى الحكومة فلا بد من أن تلتفِت لتلك العوائل وتضع آلية تضمن فيها العيش الكريم لهم وتضمن مستقبل مشرف لأيتامهم. وكرد للجميل على الحكومة أن تضع نُصبَ عينيها إعمار محافظاتهم التي عانت الأمرين حيث كانت مهمشة في عهد النظام البائد وعانت اليوم من فقدان أبناءها الذين دفعوا دمائهم فداء لهذا الوطن. إن محافظات الوسط والجنوب هي محافظات مستقرة على الصعيد الأمني وفيها من المقومات ما يجعلها مؤهلة للعمران والنهوض. فالسلام لم يعد مجرد مسالمة بين البشر والبشر بل هو في الأساس مسالمة بين البشر والأرض، لأن الحرب على بيئة الأرض هي مأساة سرمدية، بينما مآسي أشد الحروب فتكاً في تاريخ البشرية يمكن للزمن أن يتجاوزها.

كاتب المقال